الدكتور عبدالكريم زيدان
هدى الله هو الهدى:
قال تعالى: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى) ، أي قل يا محمد إن هدى الله الذي بعثني به هو الدين المستقيم الصحيح الشامل ، وهو الهدى الحقيقي الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى.
هدى الله هو الإسلام:
وهدى الله الذي هو الهدى ، أرسل به محمدًا صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) ، هذا الهدى هو الإسلام الذي فيه الهدى كله ليس وراءه هدى ، قال الزمخشري في قوله تعالى: ( قل إن هدى الله هو الهدى) يعني أن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى الحق والذي يسمى هدى الله وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما تدعون اتباعه أيها اليهود والنصارى ما هو بهدى إنما هو هوى.
من يترك هدى الله يتركه الله وما اختاره:
قال تعالى: ( ومن يشاقق الرسول من بعد منا تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا) ، هدى الله هو الإسلام وهو سبيل المؤمنين ، فمن يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم - أي يعاديه - فلا يتبع الإسلام ويتبع غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له هدى الله فإن الله تعالى يتركه وشأنه وما اختاره لنفسه من ضلال . ومن المعلوم أن ما اختاره لنفسه هو سبيل الضلال لأنه ليس بعد الحق - الإسلام الذي تركه- إلا الضلال ، قال تعالى: ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) .
تهديد من يتبع غير هدى الله:
هدى الله هو الإسلام وهو الحق الواجب الاتباع وما عداه هو الضلال الواجب تركه والإقلاع عنه ، فمن تمسك به خسر تولي الله له ونصرته إياه وكان من الظالمين ، قال تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم والأمر لأمته: ( ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) . قال ابن كثير في تفسيرها: في هذه الآية تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طوائف اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة عياذًا بالله من ذلك. فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته.
وفي آية أخرى قال تعالى: ( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذن من الظالمين) . والذي جاءه من العلم هو هدى الله وما شرعه له من أمور الإسلام ، فإذا فرض مجرد فرض أن تتبع ما يهواه اليهود والنصارى إنك إذن لمن الظالمين ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.
وفي الآية تهديد ووعيد لمن يتبع أهل الباطل في باطلهم وأهوائهم استمالة لهم ، فقد جاء في تفسير المنار بشأن هذه الآية: هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ، فإنه أورده بالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مع أن المراد أمته ليعلم المؤمنين أن أتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق ويردي الناس في مهاوي الباطل.
لا حزن ولا خوف على متبع هدى الله:
قال تعالى: ( قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتيكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . قال ابن كثير في تفسير الآية: أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
وفي تفسير المنار: المهتدون بهدى الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات لأن أتباع الهدى يسهل عليهم سبيل اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده لأنه موقن بأن الله يخلفه.
طيب العيش لمتبع الهدى ، والعيش الضنك للمعرض عنه:
قال تعالى: ( قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا ؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) . فهذه الآيات بينت سنة الله في متبع هداه وسنته في المعرض عنها. والمقصود بهدى الله في هذه الآية كتبه التي أنزلها على رسله لتبليغها للناس. وفسر بعضهم (هدى الله) بأنه القرآن الكريم لما روي عن ابن عباس أنه قال: (أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة. ثم قرأ هذه الآية) .
والواقع أن (هدى الله) يشمل جميع كتبه التي أنزلها الله تعالى على رسله وأمرهم بتبليغ محتوياتها من الهدى للناس ، ولا شك أن القرآن من جملتها ، بل وأفضلها ، وحيث أنه آخرها ، وأن اتباعه هو الواجب دونها ، فبهذا الاعتبار جاز وصح تفسير (هدى الله) في هذه الآية بأنه القرآن الكريم كما هو المروي عن ابن عباس.