فهرس الكتاب

الصفحة 23842 من 27345

مفهوم التَّجديد وتجديد التديُّن

د. عبد الله الزبير عبد الرحمن*

أحمد الله العظيم أنْ هدانا إلى خير دين وأقوم شريعة، لا اعوجاج فيها ولا التواء، بل استقامة على الطريق المستقيم، واعتدال على النهج القويم، وثبات على أرسخ القواعد وأعدل الأمور، كلما تسرَّب إلى جنباتها ما يضعفها، بُعث من يعيد لها نقاهتها ونقاءها، فتبقى محروسة بحفظ الله تعالى، وقد قال عن دستورها: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (1 ) .

وأشهد ألاَّ إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم فَصَلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد،،،

فإنَّ دين الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأرسل به خير رسله، وختم بشرعته ورسالته الرسالات والشرائع، يجب أنْ يبقى كاملًا محفوظًا، تامًا محروسًا، لا يَخْلَق ولا يبلى، ولا ينقص، يحتكم إليه العالمون، وتُضبط به أمورهم وشؤونهم حتى لا يبقى في الزمان أمرٌ ولا شأن، إلاَّ الحساب والجزاء يوم الدين.

ولهذا اقتضت كلمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، ومقتضى ربوبيته وألوهيته، أنْ يبعث في الناس مجوِّدين، يجلَّون دينه من صدأ التخلِّي، وينقونه من شوائب الصد عنه، ويحمونه من سطو الساعين إلى إضعافه وإخماد جذوته بفضل الكريم المنَّان.

غير أنَّ مصطلح (التجديد) لم يعد كما كان في عهود الازدهار العلمي والعلو الفكري مفهومًا معلومًا، بل شابَهُ ما شاب مصطلحاتنا الإسلامية من الدَّخَل والدَّخَن والتشويه، فاحتاج مفهوم التجديد إلى التجويد والتبيين والإيضاح، فكانت هذه المباحث.

ولقد أردتُ بها التركيز على جانب تجديد السلوك التعبُّدي والتديُّن الفردي، أرصد مظاهر الخلل في التديُّن، وأُظْهِر العلل في المتدينين، أعرضها على ميزان الكتاب والسُّنَّة ليتبيَّن أهلها مدى حاجة أحوالهم إلى التجديد، فجاء البحث في ثلاثة مباحث على النَّحو الآتي:

المبحث الأول: في مفهوم التجديد عمومًا.

المبحث الثاني: في المفهوم الخاطئ للتجديد.

المبحث الثالث: في تجديد التديُّن والالتزام.

المبحث الأول: مفهوم التجديد

المطلب الأول: أصل التجديد ووضعه اللُّغوي (2 )

التجديد في أصله اللُّغوي: مأخوذ من جدَّد الشيءَ، وتجدَّد الشيءُ، إذا صيَّره جديدًا أو صار جديدًا.

والتجديد فيه طلب واستدعاء، إذ التاء للطلب، فيكون تجديد الشيءِ يعني طلب جِدَّتِه بالسعي والتوسّل إلى ما يجعله جديدًا. والجديد نقيض الخَلَق والبِلى، وضدّ القديم بمعنييه ـ القديم زمانًا، والقديم بقاءً، وهو التقادم ـ، فيُقال: بلي بيت فلان ثمّ أجَدَّ بيتًا مِنْ شَعْر.. ويُقال لليل والنهار: الجديدان، لأنهما لا يبليان أبدًا.

ومن معاني التجديد في أصل اللُّغة: التعظيم والإجلال، ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) ( 3) ، أي عظمته وجلاله وغناه. ومن معانيه كذلك الوسطية، ويقولون: جادّة الطريق أي سواء الطريق ووسطه.

ومن هنا ندرك أنَّ التجديد لا يعني بحال الإتيان بجديد منقطع عما كان عليه الأمر أولًا، ولكن يعني:

• أنَّ الشيء المجدَّد قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا، وللناس به عهد.

• وأنَّ هذا الشيء أتت عليه الأيام، فأصابه البِلَى وصار قديمًا خَلِقًا.

• وأنَّ ذلك الشيء قد أُعيد إلى مثل الحالة الأولى التي كان عليها قبل أنْ يبلى وَيَخْلَق ( 4) .

ولهذا يقولون: جدَّد بيته، أي: رمَّمه، وأعاد طلاءه، وأحكم إثبات النوافذ، وغيّر مظهره، الذي بدا فيه التقادم وبان عليه التصدّع، ولا يعني تجديد البيت هدَّه من الأساس وإعادة بنائه طوبة طوبة.

ويوضّح أكثر هذا المعنى قول أحد المصلين: جدّدت وضوئي، وهو لا يريد بذلك الوضوء من جديد بعد انتقاضه، فهذا لا يُسمَّى تجديدًا، وإنما يريد بتجديده إعادة جدته كسبًا لأثره في المصلِّي، تزويدًا له بالنشاط للأداء المتقن الخاشع بسببه.

وكذلك قولك لأحد المتعاهدين: جدّدْ العهد، فهو لا يعني أنْ عهدك قد انتقض، بقدر ما يعنون أنه تقادَمَ إلى درجة أوشك معه المتعاهدون يتخلون عن ملزماته ويتساهلون في التزام بنوده.

فالتجديد ـ إذًا ـ لا يستلزم إقامة شيء جديد على أنقاض القديم، ولا يعني رفض القديم كله بحسبان نفود صلاحه، وأنه صار سلبًا غير نافع يجب إلغاؤه والإتيان بجديد مغاير منقطع عنه أصلًا ووصفًا.

ولكن حقيقة ما يعنيه التجديد هو إعادة الأمر إلى ما كان عليه أولًا، وهو نوع من الإجلال لذلك الأمر وتعظيم له، على خلاف ما يعتقده كثير من سامعي هذا المصطلح ومطلقيه.

المطلب الثاني: المفهوم الاصطلاحي للتجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت