محمد مسعد ياقوت
بلطيم كفر الشيخ
يعتبر مفهوم التجديد من أكثر المفاهيم التي تنازعتها التيارات الثقافية والفكرية المختلفة.. و لم يأخذ التجديد ـ كمصطلح شرعي ، ورد على لسان الشرع، ونطق به العلماء والدعاة والمفكرون كثيرًا، في أوساط فكرية ودعوية ومحافل علميّة، حقَّه من الفهم الصحيح له، بل تجاوزت به فئات من النَّاس عن المراد الحق منه، إلى معانٍ تناقض مطلوب الشرع، وتنقضّ على ثوابت الدِّين وحقائقه بالإلغاء أو المحو أو التهوين أو التذويب أو التلاعب ..!
فكثيرون ارتبط في أذهانهم معنى للتجديد، ليس هو المعنى الذي أُطلق عليه، بل هو معنى ـ حسب فهمهم ـ لم يقم على أصول العلم الشرعي، ولم يستصحب الثابت الحق الذي لا يجوز المساس به بحال، فظنوا أنَّ للتجديد رجالًا يجدِّدون للأُمَّة أمر هذا الدِّين ؛ وأنَّ التجديد يكون بالتغيير لكل وجهٍ موجود في العصر، وبالنسخ لكل شكل يُتَعَبَّد به الله تعالى في أوانهم، وبالتبديل لكل أصل يقوم عليه الدِّين ـ علمًا وسلوكًا ـ في زمانهم، ظنًا منهم أنَّ التجديد هو: التبديل، والنسخ، والإلغاء، والتغيير بإطلاق ، فيخوضون بهذا المفهوم المعكوس الحروب ضد ما ثبت من دين أو تديُّن، ويقودون الحملات الشرسة على كل ما استقر من حال أو شكل لدعوة أو عبادة، دون تمييز وتفريق بين ما يجوز فيه ذلك وما يُمنع، وبين ما يستحق التبديل أو التغيير وما لا يستحق، وبين الذي يصلح للأُمَّة و الذي لا يصلح لها (1) .. و من ثم على علماء هذه الأمة أن يبينوا هذا المفهوم - الإسلامي الصميم بضوابطه وأصوله ..
لا تجديد في ثوابت الدين ..
إذًا .. فلا تجديد في ثوابت الدِّين بحال، إلاَّ إذا قُصد بتجديدها إزالة الغبار العالق بها، وما أُدخل فيها من الشُبَهِ، وتعلق بها من الخرافات والخزعبلات، فتنقية ثوابت الدِّين من هذه العوالق، وتصفيتها من الدخن والوهن وكل ما أصابها يكون من صميم التجديد.
أما محاولات الجهَّال ومن تربَّى على أفكار المتشككين والمستشرقين، وأقام عود قلبه على حب الملحدين، وأصاب عقله ونفسه أمراض التغيير المطلق، فمحاولات أولئك ومن اتبعهم بشبر لتغيير ثوابت الدِّين ، وسعيهم المستميت في صياغتها على وفق ما ترسّخ عندهم من أفكار وضلالات اليهود وخرافات النصارى التي تربوا عليها في مراحل التبعية وسنّيها العجاف؛ لا يكون تجديدًا أبدًا؛ وإنما هو تبديد لثوابت العقيدة الحقّة، وجوازم الدِّين التي لا تقبل التبديل، ولا التغيير، ولا النسخ.. (2) فهذا لا يسمى تجديدًا بل يسمى انحلالًا و تفككًا وذوبانًا و موتًا ! وانظر إلى جميع الأديان و المذاهب العالمية و الأحزاب الكبرى لا يمكنها أن تثبت ذاتيتها و تفرض و جودها و تدعم و سائل بقائها إلا إذا كان لها دستور واضح و مبادىء محددة و ثوابت راسخة و أهداف محترمة (3) ..و نرى أتباع هذه الأديان الباطلة و الأفكار المتخلفة المنحلة ؛ يدافعون ويناضلون في سبيل الحفاظ على ثوابت تلك العقائد و الأفكار الشاذة ..نعم .. انظروا إلى أتباع البوذية و الهندوسية و الشيوعية ..!!
لا تجديد في نصوص الشرع:
ولن يكون التجديد ممكنًا يومًا لنصوص الشرع، من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم، إلاَّ إذا أُريد بذلك: صياغة أصول النظر فيها، وتطوير مسالك الاستنباط لمعانيها، وتسهيل طرائق استخراج الأحكام منها، حتى يقدر كل من حصّل قسطًا من أدوات النظر فيها الوصول إلى المطلوب الشرعي أو الاقتراب منه.
أما إذا أُريد بتجديد نصوص الشرع من الكتاب والسُّنَّة: الاستغناء عنها اعتمادًا على العقل وتقديمًا له عليها، فهذا مذهبٌ رفضته جماهير الأُمَّة وعلماؤها ومجدِّدوها من أهل السُّنَّة من قديم، حين ظهر المعتزلة يبالغون في تقديم العقل على النصّ، ويطّرحون ما أوصل نصّ الشرع إذا وُجد معنى عقلي مقابل، بل ربما ردّوا نصوص الشرع في مقابل المعنى العقلي (4) كما أنّ التجديد لا يمكن أنْ يكون في نصوص الشرع: بتقديم المصلحة المجردة عن الأصل المنقطعة عنه ـ ولا شاهد لها منه تقاس عليه ـ على نص الشرع عند المخالفة والمعارضة، وقد ظَنَّ بعض الناس صحة ذلك، فنادوا به يزعمون أنهم يجدِّدون به الدِّين، بشبهة أنَّ الإسلام يعد المصلحة، وأنه ما جاء إلاَّ لجلبها ودرء المفسدة المقابلة لها، فنشطوا يؤخرون النصوص من أجل المصلحة، ويردونها أخذًا بالمصلحة وتقديمًا لها، وهذا طريقٌ رفضه الناس حين نُصبتْ على مدرجة الشرع، وقد صرَّح بسلوكها الطوفي (5) .. يزعم أنَّ رعاية المصلحة أقوى أدلة الشرع، وأنَّ نصوص الشرع إذا خالفتها وجب تقديم رعاية المصلحة عليها! ليتسع الخرق على الناس، يفتئت على الشرع من هبَّ، ويعطّل نصوصها من دبَّ، كلما أعجزه العلم عن إدراك المراد أو الوصول إلى المطلوب (6) . فهذا كله ليس بتجديد مقبول، وليس هو الذي بشَّر به الشرع الأُمَّة ببعث رجالها من أجله...