[من كتاب العبادة واجتهاد السلف للشيخ حفظه الله]
فالأصل في العبادة المسارعة , وأن يعلم العبدُ أَنَّ أنفاسه معدودة , وأنَّ لحظاته موقوفة إمّا على طاعة ؛ وإمّا على تفريط وإضاعة .
ولذلك نرى أن المسارعة من صفات المؤمنين كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [ سورة المؤمنون: 60-61 ] .
فهؤلاء مُقَرَّبُون , وفي البرِّ منغمسون , وبطاعة ربهم منشغلون , ورغم ذلك فهم خائفون وجلون , فلمّا لم يمنعهم مانع عن فعلهم , ويشغلهم شاغل عن ذكرهم , وجَدُّوا في السير ؛ أثنى الله عليهم , وأثبت فعلهم , ومدح عملهم .
وكما ذكر سبحانه عن أنبيائه ورسله: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [ سورة الأنبياء: 90 ] .
وكما أثنى سبحانه على عباده الصالحين ؛ وأوليائه المتقين , بقوله سبحانه وتعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) } [ سورة آل عمران: 114 ] .
ولقد أمر الله سبحانه بالمسابقة , والمنافسة في الطاعات , وبالمسارعة والجد إلى الجنّات .
قال تعالى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } [ سورة آل عمران: 133 ] .
وقال تعالى: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) } [ سورة الحديد: 21 ] .
وقال تعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } [ سورة البقرة: 148 ] .
وقد جعل الله أعلى المنازلِ في الجنّات ؛ لأهل السبق في الخيرات , كما قال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ (14) } [ سورة الواقعة: 10-14 ] .
وقد حَثََّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المسارعة لفعل الخيرات , وتدارك المهمات قبل فوات اللحظات .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا , فَقَالَ: مَا هَذَا فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ , قَالَ: مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ . ( 1)
فالنجاة من الفتن لزوم الطاعة والثبات عليها , فالمسارعة في وقت الأمان ينجي عند وقوع البلاء .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا , أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا , يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا . (2 )
فالبدار البدار والوحا الوحا قبل فوات الأوان , وقبل قدوم الفتن وتعذر الطّاعة والإيمان , وهوان المعاصي والآثام , حتى تعم الزمان والمكان , فإنَّه سيأتي الزمان الذي يتقلب فيه العبد لا بين معصية وطاعة , وإنما يتقلب بين كفر وإيمان .
فلابد للعبد أن يدفع نفسه للطاعات دفعًا , وأن يجعل رأس ماله من الأيام والليالي إيمانًا يدفع به الضلال , وعِلمًا يزيل به الجهل , فلا شيء أغلى من وقتٍ ينفق في طاعة الله , وصحةٍ يعمل فيها بأمر الله .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ . ( 3)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ , وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ , احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ , وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا , وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ , فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ . ( 4)
فالواجب على العبد أن يتقدم ولا يتأخر , ويمضي ولا يلتفت , ويطرق أبواب الخير فما فتح له من بابٍ فليلزمه ؛ ويدعو الله بالثبات .