د. نايف بن أحمد الحمد 21/3/1427
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فقد أصيب المضاربون في الأسهم بانهيارات متتابعة خلال الأسابيع الماضية، حيث هبطت أسعار كثير من الأسهم أكثر من ستين في المائة ولا زالت في هبوط وقد سمعت وقرأت شيئا مما أصاب الناس بسبب ذلك من وفاة بعض المساهمين وجنون آخرين، وهلوسة آخرين، وأصبح هذا الهم هو حديث الناس في مجالسهم فأحببت أن أواسي إخواني بشيء مما جاء في فضيلة الصبر وحرمة الجزع والسخط فأقول مستعينا بالله تعالى:
أولا: لا يخفى على الجميع أن جملة من الأسهم المتداولة هي محرمة شرعا، باتفاق العلماء كأسهم البنوك الربوية/ ومع ذلك فإنك ترى من يتداولها بيعا، وشراء، ولا شك أن هذا من السحت الذي تُمحق بسببه البركة قال تعالى ( يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (البقرة:276) فهذا المرابي خسر ماله في الدنيا، وبقي حسابه يوم القيامة إن لم يتب من ذلك قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:279) ولعل ما حدث يكون درسا لهؤلاء وبابا للتوبة . عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عز وجل ) رواه أحمد (3809) وأبو يعلى (4981) وابن حبان (4410) قال الهيثمي:"رواه أبو يعلى وإسناده جيد"ا.هـ مجمع الزوائد 4/118فهذا الذي حدث عقوبة للمرابين قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشُّورى:30) وابتلاء لغيرهم قال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] {البقرة:155}
ثانيًا: لعل من أسباب الانهيار امتناع جملة من المساهمين من إخراج زكاة الأسهم متذرعين بأسباب واهية كعدم وجود السيولة لديهم فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول: ( ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته ) رواه الشافعي، والبخاري في تاريخه والحميدي (237) والبيهقي 4/159 وقيل في تفسير الحديث:"يكون قد وجب عليك صدقة فلا تخرجها فيُهلك الحرامُ الحلالَ". ( مشكاة المصابيح 1/562 المطالب العالية 5/589 مرقاة المفاتيح 4/250) وقال تعالى ذاكرا عقوبة من منع المساكين حقهم [إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (:27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ العَذَابُ وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] (القلم:33) فإن قيل: هناك المزكون وغير المرابين في السوق، وقد شملتهم الخسارة، أقول: أذكرهم بحديث أم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قال: ( نعم إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ) رواه البخاري (3403) ومسلم ( 2880) .
ولعل من أهم ما ينبغي فعله عند هذا الابتلاء:
أولا: الرجوع إلى الله تعالى وتذكر أحكامه والعمل بها قال تعالى: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (الأعراف:130) .