فهرس الكتاب

الصفحة 14775 من 27345

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و كفى و الصلاة و السلام على نبيّه المصطفى ، و آله و صحبه أجمعين و بعد:

فقد تلقّيت من بعض الإخوة المقيمين في الديار الإيرلنديّة عن رأيي في التسمي بالسلفية أو غيرها ، و قولي في الانتماء إلى إحدى الجماعات الإسلاميّة العاملة في الساحة كجماعة الإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو غيرها ؟ أو الخروج مع جماعة التبليغ بقصد الدعوة إلى الله تعالى ؟ و رأيي في التعامل مع المنتسبين إلى بعضها في شيء من أمور الدنيا أو مجالستهم و بدئهم بالسلام ؟

فقلت مستعينًا بالله تعالى:

يسعنا في هذا الباب ما وسع سلفنا ، أهلَ السنّة و الجماعة فالتزموه و تواصو به ، و هو لزوم الجماعة , و هي ما كان عليه السلف الصالح ، و ربّما عرفوا بأهل السنّة أو أصحاب الحديث أو السلفيّون أو غير ذلك من المسمّيات إذ إنّ العبرة بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ و المباني كما نصّت القائدة المعروفة عند الفقهاء .

روى الآجري في ( الشريعة ) و اللالكائي في ( شرح أصول الاعتقاد ) بإسناد صحيح أن الإمام أبا بكر بن عيَّاش رحمه الله سُئل ( ت 191هـ ) : مَن السُنِّيُّ ؟ فقال: (( الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يتعصَّب لشيءٍ منها ) ).

و لفظ الجماعة لغةً مشتق من الجَمْعِ و هو: تأليف المفترق (كما في القاموس المحيط و لسان العرب ) .

... قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( في مجموع الفتاوى: 3 / 157 ) : (( الجماعة هي الاجتماع ، وضدها الفرقة ، و إن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين ) ).

... و اصطلاح أهل السنة و الجماعة ، مُقتبس من مجموع ما ورد في كتاب الله و سنة رسوله ، من الآيات ، و الأخبار الواردة في الحثّ على الاعتصام بالسنة ، و ملازمة الجماعة ، و النهي عن الابتداع و الفُرقة و الاختلاف في الدين .

... فمن ذلك قوله سبحانه و تعالى: { و لا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله } [ الأنعام: 153 ] .

... و قوله: { أن أقيموا الدين و لا تتفرَّقوا فيه } ] الشورى: 13 [.

... روى الطبراني بإسناد حسن في تفسيره عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - في هاتين الآيتين قوله: (( أمر الله المؤمنين بالجماعة و نهاهم عن الاختلاف و الفرقة ، و أخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ) ).

... أما الأخبار الواردة في هذا الباب فكثيرة جدًا و منها:

... قوله صلى الله عليه و سلّم في وصيته لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه التي رواها الشيخان:

... (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) )، قال حذيفة: قُلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ و لا إمام ؟ فقال:

... (( فاعتزل تلك الفرق كلَّها ، و لو أن تعضَّ بأصل شجرةٍ حتى يُدركك الموت ، وأنت على ذلك ) ).

... و روى الشيخان أيضًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه و سلّم قال:

... (( ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتةً جاهليَّةً ) ).

... و في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه المشهور ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلّم وعظهم موعظةً قال فيها:

... (( عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، و إياكم و مُحدثات الأمور فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعة ، و كلَّ بدعة ضلالة ) ).

... و لأهميَّة لزوم الجماعة ، و عظيم شأنها ، بوَّب الشيخان كلٌّ في صحيحه ، و النسائيُّ , و الترمذي ، كلٌّ في سننه ، على لزومها .

... فقال البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة من صحيحه: باب قوله تعالى: { و كذلك جعلناكم أمَّةً وسَطًا } و ما أمر النبي صلى الله عليه و سلّم بلزوم الجماعة و هم أهل العلم .

... و قال الإمام مسلم في كتاب الإمارة من صحيحه: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، و في كل حال ، و تحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة .

... و عَنوَن النسائي في سننه: قتلُ من فارق الجماعة ، و ذِكرُ الاختلاف على زياد بن عِلاقة عن عَرْفَجَةَ فيه .

... وعقد الترمذي في سننه بابًا سمَّاه: باب ما جاء في لزوم الجماعة .

... قلتُ: و الجماعة التي يجب على المسلم لزومها ، و يحرم الخروج عليها ، ويستحق الوعيد من فارقها ، هم أهل الحقِّ في كل عصرٍ و مِصرٍ ، و إن قَلُّوا .

... قال أبو شامة المقدسي رحمه الله ( كما في شرح أصول الاعتقاد للالكائي و تاريخ دمشق لابن عساكر ) :

... (( حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة ، فالمراد به لزوم الحق و اتِّباعه ، و إن كان المستمسك به قليلًا ، و المخالف كثيرًا ) ).

... ثم استدل بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( إن الجماعة ما وافق الحق ، و إن كنت وَحدَك ) ).

... و في ( تاريخ دمشق ) أيضًا أنّ نعيم بن حمَّاد رحمه الله قال: (( إذا فسدت الجماعة ، فعليك بما كانت عليه قبل أن تفسد ، و إن كنت وحدك ، فإنَّك الجماعة حينئذٍ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت