د.عدنان علي رضا النحوي
لقد كثر في الآونة الأخيرة على لسان عدد من الدعاة المسلمين ترديد مصطلحات وأفكار ينسبونها إلى الإسلام ، ثُمَّ إذا هي تنتشر بسرعة عجيبة في بعض وسائل الإعلام من صحافة أو فضائيات أو مجلات أو كتب . ثمَّ يصدر على ضوء ذلك فتاوى وآراء ظاهرة الانحراف عن الإسلام ، متناقضة مع آراء سابقة وفتاوى ماضية .
كثرت في هذه الآونة مصطلحات: الوطن ، المواطنة ، حقوق المواطن ، الآخر ، الاعتراف بالآخر ، الإنسانية ، وأمثال ذلك مما يصعب حصره . نعم! يجب على المسلم أن يحرص على مصلحة وطنه المسلم ومصلحة كل أرض إسلامية . ولكن هذا الحرص يجب أن ينطلق من دين الله ، من الإسلام ، من دين جميع الرسل والأنبياء ، من منهاج الله كما أُنْزِلَ على رسول الله محمد خاتم الأنبياء والمرسلين .
ولا بدَّ أن يقدِّم المسلم ، حين يعطي رأيه في هذه القضيَّة أو تلك ، حجّته ودليله من منهاج الله ـ قرآنًا وسنَّة ولغة عربيَّة ـ ، ومن الواقع الذي يُرَدُّ إلى منهاج الله ردًَّا أمينًا عن إيمان صافٍ وعلمٍ سليم بمنهاج الله وبالواقع .
ولا بدَّ كذلك حين يستشهد بآية أو بحديث أن لا يؤوِّله تأويلًا خاصَّاًَ ليوائم دعواه ورأيه وهواه ، بل يلتزم المعنى الذي تقرّه اللغة العربية وقواعد الإيمان والتوحيد ، وسائر آيات الكتاب ، وسائر أحاديث الرسول ، ذلك لأن معاني الآيات والأحاديث لا تتعارض ، وإذا بدا تعارض فذلك منا نحن البشر وليس من منهاج الله . فالمعاني في منهاج الله كلها مترابطة متناسقة في قلوب المؤمنين الخاشعين المتقين العالمين .
وإن جميع القضايا التي أخذ بعض الدعاة وغير الدعاة يحرصون على نشرها والاهتمام بها ، حرص الإسلام على دراستها وصياغتها صياغة ربَّانيَّة تنفي عنها العصبيات الجاهلية ، وتنفي عنها عوامل التمزيق والصراع والإفساد في الأرض . فالعائلية هي في الإسلام صلة رحم لها قواعدها وأصولها ، وكذلك الوطنيَّة والوطن ومصالح ذلك ، جعل الإسلام منها أخوة إيمان تلتزم شرع الله كله، وعدالة واضحة تعطي كل فئة حقوقها كما شرعها الله لا كما تُريد بعض القوى في الأرض أن تشرِّع لها .
أخذ الكثيرون يتغنَّون"بالآخر"ويطالبون بالاعتراف به وبحقوقه ، ولقد حرتُ وأنا أبحث عن هذا الآخر الذي لا ينال حقوقه ، أو أنه مظلوم ، أو أنه غير معترف به ، فلم أجد أحدًا ينطبق عليه هذا الوصف إلا المسلم الذي أصبح يطارد في شرق الأرض وغربها . إذا أرخى لحيته أصبح متطرَّفًا متعنَّتًا ، وإذا حافظ على الصلوات في المسجد أصبح مغاليًا أو إرهابيًَّا ، وإذا ذكَّر بآية أو حديث أصبح شاذًا مثيرًا للفتن ، وإذا لبست المرأة المسلمة الحجاب أصبحت شاذة محاربةً تغلق أمامها الأبواب .
لماذا التغنِّي"بالآخر"وبحقوقه ، ليت هذا"الآخر"يحترم أبسط حقوق المسلم . يُرادُ من المسلم أن يتخلَّى عن دينه حتى يصبح في عرف المنحرفين إنسانًا سويًَّا !
ويتغنَّون"بالإنسانيَّة"! يتغنَّون بها بصورة توحي بأنها ليست في الإسلام، ولا في مبادئه ، يوحون بأنها في الديمقراطية ، في العلمانية ، في الماسونية! وينادون بأن الإنسانية هي وحدها التي تجمع الناس ، ولكن على أيِّ مبادئ وعلى أيِّ مناهج ؟! كلمات عامة عائمة لا تحدِّد حقوقًا ولا ترسم نهجًا ولا تشقُّ طريقًا ولا تعالج أمراضًا أو خللًا .
"الإنسانيَّة"بأصدق معانيها هي في الإسلام وحده ، في شرع الله ، في الإيمان والتوحيد . فإذا خرجتَ من الإسلام خرجتَ من دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وأصبحت نهبًا للشهوات والمصالح وعواصفها ، لا ضابط لها أبدًا إلا جنون القوة والسيطرة ، ثم الصراع الذي يُلغي كل معاني الإنسانية! وهذا هو الواقع أمامنا ، وهذا هو التاريخ معروضًا بين أيدينا .
حسبنا الإسلام ، دين الله ، دين جميع الرسل والأنبياء ، فهو وحده الذي يوفِّر للبشريَّة كلها أكمل معاني الإنسانية ، وأعلى معاني العدالة ، وأصدق آفاق الحريَّة، ولينال كلٌّ حقوقَه حسب شرع الله ، لا حسب شرع الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية ، حيث تموت هناك العدالة والحريَّة والإنسانيَّة إلا في أجواء التخدير، والمساواة بالظلم والفقر ، والفاحشة ، والفجور ، لا ضابط إلا سلطان القوة والبطش والتخدير وما ينتج عنها من قوانين وضعيَّة .