فهرس الكتاب

الصفحة 22053 من 27345

لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ؟!

د.عدنان علي رضا النحوي

لقد كثر في الآونة الأخيرة على لسان عدد من الدعاة المسلمين ترديد مصطلحات وأفكار ينسبونها إلى الإسلام ، ثُمَّ إذا هي تنتشر بسرعة عجيبة في بعض وسائل الإعلام من صحافة أو فضائيات أو مجلات أو كتب . ثمَّ يصدر على ضوء ذلك فتاوى وآراء ظاهرة الانحراف عن الإسلام ، متناقضة مع آراء سابقة وفتاوى ماضية .

كثرت في هذه الآونة مصطلحات: الوطن ، المواطنة ، حقوق المواطن ، الآخر ، الاعتراف بالآخر ، الإنسانية ، وأمثال ذلك مما يصعب حصره . نعم! يجب على المسلم أن يحرص على مصلحة وطنه المسلم ومصلحة كل أرض إسلامية . ولكن هذا الحرص يجب أن ينطلق من دين الله ، من الإسلام ، من دين جميع الرسل والأنبياء ، من منهاج الله كما أُنْزِلَ على رسول الله محمد خاتم الأنبياء والمرسلين .

ولا بدَّ أن يقدِّم المسلم ، حين يعطي رأيه في هذه القضيَّة أو تلك ، حجّته ودليله من منهاج الله ـ قرآنًا وسنَّة ولغة عربيَّة ـ ، ومن الواقع الذي يُرَدُّ إلى منهاج الله ردًَّا أمينًا عن إيمان صافٍ وعلمٍ سليم بمنهاج الله وبالواقع .

ولا بدَّ كذلك حين يستشهد بآية أو بحديث أن لا يؤوِّله تأويلًا خاصَّاًَ ليوائم دعواه ورأيه وهواه ، بل يلتزم المعنى الذي تقرّه اللغة العربية وقواعد الإيمان والتوحيد ، وسائر آيات الكتاب ، وسائر أحاديث الرسول ، ذلك لأن معاني الآيات والأحاديث لا تتعارض ، وإذا بدا تعارض فذلك منا نحن البشر وليس من منهاج الله . فالمعاني في منهاج الله كلها مترابطة متناسقة في قلوب المؤمنين الخاشعين المتقين العالمين .

وإن جميع القضايا التي أخذ بعض الدعاة وغير الدعاة يحرصون على نشرها والاهتمام بها ، حرص الإسلام على دراستها وصياغتها صياغة ربَّانيَّة تنفي عنها العصبيات الجاهلية ، وتنفي عنها عوامل التمزيق والصراع والإفساد في الأرض . فالعائلية هي في الإسلام صلة رحم لها قواعدها وأصولها ، وكذلك الوطنيَّة والوطن ومصالح ذلك ، جعل الإسلام منها أخوة إيمان تلتزم شرع الله كله، وعدالة واضحة تعطي كل فئة حقوقها كما شرعها الله لا كما تُريد بعض القوى في الأرض أن تشرِّع لها .

أخذ الكثيرون يتغنَّون"بالآخر"ويطالبون بالاعتراف به وبحقوقه ، ولقد حرتُ وأنا أبحث عن هذا الآخر الذي لا ينال حقوقه ، أو أنه مظلوم ، أو أنه غير معترف به ، فلم أجد أحدًا ينطبق عليه هذا الوصف إلا المسلم الذي أصبح يطارد في شرق الأرض وغربها . إذا أرخى لحيته أصبح متطرَّفًا متعنَّتًا ، وإذا حافظ على الصلوات في المسجد أصبح مغاليًا أو إرهابيًَّا ، وإذا ذكَّر بآية أو حديث أصبح شاذًا مثيرًا للفتن ، وإذا لبست المرأة المسلمة الحجاب أصبحت شاذة محاربةً تغلق أمامها الأبواب .

لماذا التغنِّي"بالآخر"وبحقوقه ، ليت هذا"الآخر"يحترم أبسط حقوق المسلم . يُرادُ من المسلم أن يتخلَّى عن دينه حتى يصبح في عرف المنحرفين إنسانًا سويًَّا !

ويتغنَّون"بالإنسانيَّة"! يتغنَّون بها بصورة توحي بأنها ليست في الإسلام، ولا في مبادئه ، يوحون بأنها في الديمقراطية ، في العلمانية ، في الماسونية! وينادون بأن الإنسانية هي وحدها التي تجمع الناس ، ولكن على أيِّ مبادئ وعلى أيِّ مناهج ؟! كلمات عامة عائمة لا تحدِّد حقوقًا ولا ترسم نهجًا ولا تشقُّ طريقًا ولا تعالج أمراضًا أو خللًا .

"الإنسانيَّة"بأصدق معانيها هي في الإسلام وحده ، في شرع الله ، في الإيمان والتوحيد . فإذا خرجتَ من الإسلام خرجتَ من دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وأصبحت نهبًا للشهوات والمصالح وعواصفها ، لا ضابط لها أبدًا إلا جنون القوة والسيطرة ، ثم الصراع الذي يُلغي كل معاني الإنسانية! وهذا هو الواقع أمامنا ، وهذا هو التاريخ معروضًا بين أيدينا .

حسبنا الإسلام ، دين الله ، دين جميع الرسل والأنبياء ، فهو وحده الذي يوفِّر للبشريَّة كلها أكمل معاني الإنسانية ، وأعلى معاني العدالة ، وأصدق آفاق الحريَّة، ولينال كلٌّ حقوقَه حسب شرع الله ، لا حسب شرع الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية ، حيث تموت هناك العدالة والحريَّة والإنسانيَّة إلا في أجواء التخدير، والمساواة بالظلم والفقر ، والفاحشة ، والفجور ، لا ضابط إلا سلطان القوة والبطش والتخدير وما ينتج عنها من قوانين وضعيَّة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت