هاني بن عبدالله بن محمد الجبير 27/1/1426
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد:
فالفقه الإسلامي بأدلته العامة وقواعده وضوابطه يتسع ليشمل حياة المكلفين بجميع جوانبها، فمهما حدث من مسائل ونوازل ومستجدات فسيجد الباحث المتأمل توصفيًا شرعيًا يجلى حقائقها ويبين أحكامها .
وفي هذه الأوراق نظرات عجلى لجملة فروع، يشملها كلها أنّها إجراءات وأحكام في بعض قضايا الاغتصاب والحمل السفاحي رتبتها في مسائل يتفرع عن كل مسألة منها فروع أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه صوابًا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المسألة الأولى: تعريف الاغتصاب
الاغتصاب في اللغة افتعال من غصب .
والغصب: أخذ الشيء ظلمًا . يقال غصبه منه وغصبه عليه .
وغصب فلانًا على الشيء: قهره,
وغصب الجلد: أزال عنه شعره نتفًا (1) .
وقال في اللسان: (وتكرر في الحديث ذكرُ الغصب , وهو أخذ مال الغير ظلمًا وعدوانًا . وفي الحديث أنّه غصبها نَفْسَها: أراد أنّه واقعها كرهًا , فاستعاره للجماع ) (2) .
وهذا المعنى الأخير هو الذي شاع استعماله حتى غلب في العرف فصار الإكراه على الجماع يسمى اغتصابًا .
ولكن لما كان جماع الرجل امرأته ولو بالكُره , ليس فيه اعتداء ولا ظلم لها إذ الجماع حق له لا يجوز لها الامتناع عنه إلا لموجب شرعي ؛ فقد خص الاغتصاب بالإكراه على الوقاع المحرم .
وعليه فإن الاغتصاب هو الإكراه على الزنا واللواط .
والزنا هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين (3) .
المسألة الثانية: حكم الاغتصاب:
الاغتصاب إكراه على الزنا . والزنا حرام من المحرمات الظاهرة المعلومة بالضرورة . قال تعالى: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (الفرقان 68 - 70) .
وفي الزنا من الشرور والمفاسد الشيء الكثير . قال ابن القيم رحمه الله:"والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة ..."
ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمة عياله ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت ومنها ظلمة القلب وطمس نوره .. ومنها ضيق الصدر وحرجه" (4) ."
ويزيد الاغتصاب أنّه إكراهٌ على ممارسة الزِّنا فهو أشد حرمةً من مجرد الزنا .
أما المكره فإنه لا إثم عليه قال تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } (الأنعام: من الآية119) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) (5) .
وقد روي أن امرأةً استكرهت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد (6) .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن امرأةً استسقت راعيًا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي: ما ترى فيها قال إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئًا وتركها (7) .
وهذا لا إشكال فيه بحمد الله (8) . لكن اختلف أهل العلم هل يُكْرَه الرجل على الزنا أم لا على قولين:
القول الأوّل: أنه لا يمكن إكراهه فإذا أُكره فزنى حُدَّ على زناه وهو مذهب أبي حنيفة (9) والحنابلة (10) .
القول الثاني: أنه يمكن إكراهه فإذا أُكره فزنى دُرِأ عنه الحد وهو مذهب الشافعيّة (11) .
واستدل أصحاب القول الأول بأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار والإكراه ينافيه .
فإذا وجد الانتشار انتفى الإكراه فيلزمه الحد (12) .
واستدل أصحاب القول الثاني بعموم النصوص الواردة في رفع الحرج عن المكره .
وبأنه لا فرق بين الرجل والمرأة فإذا لم يجب عليها الحد لم يجب عليه أيضًا.
ولأن الانتشار قد يكون لفحولة الشخص أكثر مما يكون دليلًا على الطواعية (13) .
ولعل الأقرب من هذين القولين أن من أكره على الزنا يدرأ عنه الحد إعمالًا لقاعدة درء الحد بالشبهة .
المسألة الثالثة: بم يحصل الإكراه .
لا خلاف أن إكراه المرأة على الزنا إذا كان إكراهًا ملجئًا أنها غير مؤاخذة , كما لو أضجعت المرأة وفعل بها الزنا قهرًا . لأنها والحال ما ذكر غير مكلَّفة ولا إرادة لها (14) .
واختلف أهل العلم فيما لو أُكرهت المرأة - أو الغلام - على الزنا بالتهديد بالقتل ومنع الطّعام والضرب ونحو ذلك هل يكون إكراهًا أم لا .
وسبب الخلاف أن هذا المكره يستطيع الفعل والامتناع فهو مختار للفعل ولكن ليس غرضه نفس الفعل وإنما مراده دفع الضرر عن نفسه (15) .