فهرس الكتاب

الصفحة 4756 من 27345

والله سبحانه وتعالى قد دل على وجوده بجموع هائلة من الآيات الآفاقية والانفسية، إلا أن أعظم آياته، وأكثرها ظهورا، وأبهرها إعجازا بعد القرآن الكريم، إنما هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بصفاء جوهره، وكريم عنصره، وعظم خلقه، فهو المعنى الجليل الذي انتدبت البشرية إلى فهمه، وهو القلم الذي علم الإنسان ما لم يعلم من معاني الإيمان والتوحيد، ووضع النقاط المضيئة فوق حروف الوجود لكي يمكن قراءته والتعرف على معناه ومغزاه، فما من قلم في يد مسلم إلا وهو يستمد فكره من هذا النبي الأمي عليه افضل الصلاة والسلام، ويتعلم منه ويسترشد به، لأنه مرآة القرآن الكبرى، يعكس على العالم افكاره وآياته ومعانيه عبر حركة الزمان المتجدد، وهو بين الأنبياء والرسل عليهم السلام، اعظم مجدديهم، واكثرهم نجاحا فيما انتدبوا له من مهام، فقد جدد ما رثَّ من تعاليمهم، وخَلُقَ من أفكارهم، وحُرّفَ من رسالاتهم، وهو الذي أحيا عقيدة التوحيد الخالص وبعثها من رمسها، وأناط بها خلاص الجنس البشري من الشقاء الأبدي، فالإسلام - قرآنا وسنة - وإن كان قد نسخ شرائع ما قبله، إلا انه - بحد ذاته - تجديد لأصول هذه الشرائع وأساساتها التي هي محور كل دين الهي، فالتجديد إذن قد بدأ في تاريخنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يتوقف في أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكل ما هو غير مطروق ولا مألوف من الأشياء والأفكار جديد يتوجس منه الجامدون خيفة، وكل مجدد غريب في قومه ووطنه، منكر بينهم لا يكادون يفقهون عنه، أو يسمعون منه، وقد عاش رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة والتسليم غريبا في قومه بمكة ثلاث عشرة سنة، لأنه جاءهم بما لم يألفوا أو يعرفوا من الدين والإيمان، ومن هنا بات المسلم رهين غربتين: غربة مكانية حسية ورثها عن جده آدم عليه السلام، وغربة فكرية إيمانية ينزع فيه إليها عرق روحي تمتد جذوره عميقا إلى غربة رسوله المكية الأولى. وبين طوايا هاتين الغربتين في وجدان المسلم، تتشكل بصمت قواه الروحية، وتستكمل شخصيته عناصر تفردها وتميزها، ليصبح من بعد نوعا إنسانيا متفردا قبالة الكم البشري العادي، وهو وان كان غريبا في نظر هذا الكم، ولغزا مبهما لا يعرف كيف يفسره ويفهمه، إلا أنه مع ذلك يحس بأنه يضرب بعرق في كل نفس. ويمت بصلة إلى كل قلب، وربما رأى فيه تكفيرًا واعتذارًا عن تخلفه وعجزه عن التفرد والتميز. فهو غريب لكنه مستطاب الغربة، بعيد لكنه اقرب ما يكون من الأرواح الحبيسة المعذبة في سجون أجسامها، واسمع ما يكون إلى أنين الإنسان وصراخه المفجع في دياجير الضلال، وأندى ما يكون على النفوس العطشى في بلقع الهوى الرهيب. وهو بعد هذا وذاك سلّم الراسبين في قرارة الوحل والطين من الراغبين في الصعود إلى ذروة الشرف الباذخ، شرف الإيمان والإسلام، وهو حاسة الأمة السادسة التي تتلمس من خلالها دربها إلى الصراط المستقيم، وهو بُعدها الرابع الذي تنفذ من خلاله إلى أغوار روحها الموار بخوالج الإيمان الدفينة، وهو عقلها الذي يفكر لها إذا ما اعتل عقلها، وداءت نفسها، وهو صبح اليقين الذي يجلوها من غياهب الشبهات. وان تشأ مزيدا من الوصف يزدك معرفة به، فاعلم أنه الحزن الهادئ الصموت، الذي وصف الرسول الكريم عليه السلام نفسه به حين قال: (والشوق مركبي، والحزن رفيقي، وقرة عيني في الصلاة) وهو الشجن الهامس العميق والوجد اللاهف المنيف، كل ذلك في إطار من جمال الروح، وجلال الفكر، وهيبة النبل والطهر، حتى لكأنه بصفاته هذه اثقل من أن تتحمله طينة الأرض، وأوسع من أن تحتويه دنيا الناس، واشد تماسكا وقوة من أن يجرفه زبد سيل العالم، وهو الغريب نفسه الذي وصفه من أُوتي جوامع الكِلمْ"صلى الله عليه وسلم"فقال في حقه وفي أمثاله مبشرا: (بدأ الإسلام غريبا وسعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت