فهرس الكتاب

الصفحة 4726 من 27345

يتناول الدرس أهمية الدعوة إلى الله وأن الدعوة إلى الله صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط ثم ذكر التفريط وصوره في مجال الدعوة، وذكر الإفراط ونماذج تدل عليه، ثم ذكر الوسط والاعتدال وأهم ضوابطه ومظاهره .

بسم الله ، ونصلي على رسول الله ، أما بعد: فإن موضوع الدعوة موضوع مهم ، فقد قال تعالى: [ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[33] ] سورة فصلت ، أي: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا ، وقال إنني من المسلمين , والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى شريعة الله الموصلة إلى كرامته ، وهي أحد أركان الأعمال الصالحة التي لا يتم الربح إلا بها كما قال الله تعالى: [ وَالْعَصْرِ[1] إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [2] إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [3] ] سورة العصر , فإن التواصي بالحقّ يلزم منه الدعوة إلى الحق ، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله تعالى في أصوله وفروعه .

إن الدعوة إلى الله صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط ، أما الطرفان فهما قسمان:

1-الإفراط: وهذا القسم إما أن يكون:

أ-إفراط في الدين: بحيث يكون الداعية شديدًا في دين الله , ولا يتسامح عن شيء الدين يتسامح به، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيرًا حتى في الأمور المستحبة ذهب يدعوهم دعاء الغليظ الجافي ، وكأنهم تركوا شيئًا من الواجبات، ومن الأمثلة على ذلك:

المثال الأول: رجل رأى جماعة من الناس لا يجلسون عند القيام إلى الركعة الثانية ، أو عند القيام إلى الركعة الرابعة جلسة الاستراحة ، فهو يرى أنها سنة ، ومع ذلك إذا رأى من لا يفعلها اشتدّ عليه ، ويتكلم معه كأنه يقول بوجوبها ، مع أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن هذه الجلسة ليست بواجبة .

المثال الثاني: بعض الناس يرى شخصًا إذا قام بعد الركوع وضع يده اليمنى على اليسرى ، فيقول له: أنت مبتدع لا بد أن تسدل يديك ، مع أن المسألة مسألة اجتهادية ، وقد يكون الدليل مع من قال: إن اليدين توضعان بعد الركوع على الصدر ؛ لأن هذا هو مقتضى الحديث الذي رواه سهل بن سعد رضي الله عنه قال: [كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ] رواه البخاري وأحمد ومالك.

المثال الثالث: كذلك بعض الناس ينكر على من يصلّي إذا تحرك أدنى حركة ، وإن كانت هذه الحركة مباحة ، وقد ورد في السنة ما هو مثلها أو أكثر ، فقد كان أبو جحيفة رضي الله عنه ذات يوم يصلي وقد أمسك زمام فرسه بيده ، فتقدمت الفرس ، فذهب رضي الله عنه وهو يصلي يسايرها شيئًا فشيئًا ؛ حتى انتهى من صلاته ، فرآه رجل فجعل يقول: انظروا إلى هذا الرجل , فلما سلم أبو جحيفة بيّن لهذا الرجل أن مثل هذا العمل جائز، وأنه لو ترك فرسه لذهبت ولم يحصل عليها إلى الليل.

كذلك جاء عن أَبَي قَتَادَةَ أنه قال: [ بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ صَبِيَّةٌ يَحْمِلُهَا فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ عَلَى عَاتِقِهِ يَضَعُهَا إِذَا رَكَعَ وَيُعِيدُهَا إِذَا قَامَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا] رواه البخاري ومسلم وأبوداود وأحمد ومالك , وهذا فيه حركة و ملاطفة للطفلة، وفيه أنه يؤمّ الناس فقد يلتفت بعضهم لينظر ماذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الطفلة , ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو أتقى الناس لله تعالى وأعلمهم بما يتقي - كان يفعل ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت