د . عبد الحكيم الفيتوري 12/7/1424
عملية الغزو الثقافي الفكري الهائلة، لا تستطيع قوة الفكر لوحدها أن تقف في وجهها، وتحدّ من قدرتها في التأثير على المجتمعات الإسلامية؛ فالفكر المجرّد الجاف قد يفقد قابليته على التحدي والمقاومة إذا لم يكن نافذًا إلى أعماق النفس الإنسانية، وإذا لم يخرج من الذهن إلى الروح فيمتزج معها ويتحول من مجرد قناعة فكرية إلى عملية انشداد نفسي وتلبس كامل لا يقبل الانفصام، ومن هنا جاءت الإشارة في أول سورة نزلت من السماء إلى الأرض؛ فقال تعالى في مطلع سورة العلق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) هذا في جانب القراءة والفكر، وختم السورة بأهمية العبادة مع الفكر؛ فقال سبحانه: (كلا لا تطعه واسجد واقتراب) .
فالعلم والفكر والتفكر، وكثرة السجود والاقتراب منه سبحانه يمثلان صمام الأمن بالنسبة للمفكر الإسلامي من الانحراف وطاعة الشيطان والأهواء والسقوط عن الطريق (كلا . لا تطعه) !!.
ولعل الساحة الإسلامية المعاصرة فيها قائمة من المفكرين والمنظرين المحسوبين على جهة إسلامية معينة قد انسلخوا آخر المطاف عن مذاهبهم الّتي طالما رفعوا لواءها ونادوا بها ودافعوا عنها، والسبب بسيط جدًا، وهو أن هؤلاء لم تكن قناعاتهم الفكرية قد انعكست على نفسياتهم ونفذت إلى قلوبهم؛ بل ظلت محصورة ضمن جدران الذهن.
والإسلام وإدراكًا منه لهذه النقطة بالذات أولى الجانب النفسي والروحي للإنسان المسلم أهمية كبيرة، ولم يقصر تربيته للمسلم على الجانب الفكري؛ بل على الجانب النفسي أيضًا، إن لم يكن اهتمامه بهذا الجانب يفوق اهتمامه بالجانب الأول.
لقد أكّد الإسلام على ضرورة الانشداد النفسي للمبدأ والتفاعل الروحي مع الفكرة الإسلامية، والتمازج الفكري النفسي من أجل أن تكون الشخصية الإسلامية شخصية قوية ومؤثرة في الحياة الاجتماعية، وقادرة على أداء دورها الرسالي في هذا الكون، وإيصال صوت الإسلام إلى كل مكان، ومن أجل أن تتحصن بالوقاية من كافة الأمراض والأوبئة الفكرية والثقافية الّتي لابدّ وأن تواجهها خلال عملية الصراع المستمر بين الخير والشر، وبين الفكر التوحيدي والأفكار المادية القائمة على الانحراف، قال تعالى: (الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) ذكر وتفكر وقال: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا) كثرة سجود واقتراب في أوقات الاستجابة، وبهذين الأمرين الفكر والذكر كانوا أئمة الدين والدينا (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) .
ولا يخفى أن العبادات الإسلامية عامل صيانة، وعنصر وقاية فاعل يقي الإنسان المسلم من كل عوامل التهديد الفكري والثقافي، لا سيّما إذا قامت على القناعة ومورست بوعي وتعبّد صادق، نظرًا لما تضخه في النفس الإنسانية من طاقات هائلة من الانجذاب إلى الفكر الّذي تحمله، والتفاعل معه بشكل يجعل من المستحيل على الأفكار المضادة أن تؤثر عليها.
ومن هنا ندرك أن المفكر الإسلامي يجب أن يتمتع برصيد عبادي كبير، وأن يكون الجانب التعبدي لديه قويًا جدًا بحيث يستطيع به أن يخوض عباب الحياة الاجتماعية غير عابئ بكل ما يواجهه خلال تلك العملية الشاقة من ضغوط وتحديات ومخاطر، لأنّ الطاقة العبادية الّتي يمتلكها تذلل كلّ العقبات؛ بل وستخلق لديه شعورًا باللذّة وهو يرى أن كلّ ما يتعرض له إنّما هو في سبيل الله ومن أجله، وفي طريق الوصول إليه سبحانه.
ويصح القول بعد ذلك: إنه لا يمكن للمفكر الإسلامي أن يكون مفكرًا إسلاميًا بالمعنى الصحيح لمجرد أنّه يحمل أفكارًا إسلامية، ويمتلك رصيدًا فكريًا إسلاميًا؛ بل لابدّ وأن يكون متعبدًا تمام العبودية لله تعالى، وعلى اتّصال قوي به سبحانه، من أجل ألا تبنى تلك الأفكار على فراغ، وألا تظل مجرد أفكار عائمة في الذهن؛ بل تتفاعل مع الروح، وتنطبع في الضمير، وتتجذر في النفس، وبهذا فقط يمكن للأفكار الإسلامية أن تكون رصينة ومحكمة ومؤثرة، وذات حظ كبير من القدرة على مقاومة أعاصير الأفكار المضادة، كما قال تعالى: ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) ، ثم قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) فعينة الله مع الذاكرين والشاكرين والمصلين والصابرين، والله مع المحسنين!.