إبراهيم عاصي *
الحديث في"السلبيات عندما يدور حول المجتمع ونظمه ، وأحواله العامة والخاصة ، وطروفه السياسية والاقتصادية والخلقية ، وما يتبع ذلك .. هذا الحديث يسمى ـ في مثل هذه الحالة ـ (نقدًا) . والنقد أنواع بحسب ما ينصب عليه ."
فإن انصب على السياسة فهو نقد سياسي ، وإن انصب على الاقتصاد فهو نقد اقتصادي ، أو على المجتمع فهو نقد اجتماعي ، وهكذا .. والنقد من جهة أخرى ، يمكن أن نصنفه بحسب الدافع له إلى صنفين: نقد للتقويم ، ونقد للتهديم !
أما عندما يدور الحديث في"السلبيات"حول الأفراد ، وحول أفراد بأسمائهم ـ على وجه التخصيص ـ فله عندئذ اسم واحد لا ثاني له ، هذا الاسم هو (الغيبة) . ذلك في حال أن السلبيات المعددة والمتخذة مدارًا للحديث ، موجودة فعلًا في شخص أو أشخاص الذين يدور الكلام عنهم . أما إذا لم تكن موجودة أصلًا ، فالحديث يأخذ اسمًا آخر هو (البهتان) (1) !! وهذا ما نص عليه الحديث القائل:"... إن كان ما تقول فقد اغتبته . وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
ومما سبق ندرك أنه إذا كان الحديث في السلبيات نافعًا وضروريًا كما في حال (النقد التقويمي) للمجتمع ، و (الاغتياب التعريفي) (2) للأفراد .. فإنه .. فإنه ـ أي الحديث ـ يصير بالغ الأذى والخطورة إذا ما جاء (نقدًا تهديميًا) أو (غيبة) لمجرد الغيبة والتشهير! والأفظع من هذا وذاك أن يأتي (بهتانًا) وزورًا !!
ومن عجب أن السلبيات باتت على مدار الكثير من الزمن ، هي كل ما يراه الناس في الناس ، وإن شئت فقل: هي كل ما يحب الناس ألا يروا غيره في الناس !! وبالتالي هي كل ما يحلو للناس أن يتحدثوا فيه إذا اجتمعوا اثنين فأكثر.. في السهرات ، والندوات ، والخلوات ، وفي كل مناسبة !! وقد ترتب على هذه الظاهرة قديمًا ، وما يزال يترتب عليها حديثًا الكثير من الضرر والإفساد ، والكثير من التخريب والتمزيق لأوصال الأفراد والمجتمعات على حد سواء .
ولعل السؤال الطارئ الذي برز الآن هو: (لماذا) ؟! وإنه لسؤال من حقك أن تثيره يا قارئي ، وهو حق لا أماريك فيه ، وإلا استمهلتك الجواب عليه أبدًا .. تصور معي ـ مثلًا ـ الدور الذي تؤديه صحافة لا هم لها إلا أن تتبع أخبار الجرائم ، وحوادث القتل والنهب والخطف والانتحار.. أو نشر الفضائح الأخلاقية وأنباء الغدر والخيانة والاعتداء على الأعراض والحرمات !!
وتصور معي الدور الذي تؤديه منتديات أو مجتمعات ، لا حديث لأفرادها إلا أن يلوكوا سمعة فلان أو فلانة ، وعرض علان أو علانة .. هذا طويل .. ذاك قصير! هذه فاسدة الذوق .. تلك ثرثارة ! هذا مغرور.. ذاك نفعي أناني ! هذه مهملة .. تلك متعجرفة ! هذا بخيل .. ذاك منافق ! هذه أكولة .. تلك جهولة ! هذا جبان .. ذاك شكله (مجعلك) !!.
إنه دور فتاك ولا ريب .. إنه سلوك شائن ومن شأنه أن يفسد في الأرض بأسرع مما يستطيعه أي شيطان رجيم !! ومرة ثانية: (لماذا) ؟!
والجواب: إن كثرة الحديث عن الجرائم والفضائح في المجتمع ، أو عن النقائص والمثالب في الأفراد من نتائجها الحتمية ، أن يقل استفظاع الناس لها واستنكارهم إياها ، بسبب عامل الألفة .. وبالتالي فإن المنكر يصبح معروفًا ، ويصبح المعروف منكرًا !! ومن ثم تشيع الفاحشة في المجتمع ، وتعم البلوى ، وينتشر الداء ، هذا على الصعيد العام ، أما على الصعيد الخاص ، صعيد الأفراد ، فإن اعتياد نهش الأعراض ، وتتبع العورات ، وتقصي الأخطاء والعيوب ـ ومن ثم إذاعتها واتخاذها مادة دسمة لتزجية الفراغ ـ يؤدي بالإنسان المتتبع المتقصي إلى نوع من (الإدمان) على ممارسة دور (الذبابة) ، هذه الحشرة التي دأبها التنقل بين الخبائث المأكولة والمشمومة ، لتقوم من بعد ذلك بتوزيع الأذى والمرض ، ونشرها بالمجان حيثما ارتحلت أو حلت من أجسام الناس ومرافقهم العامة أو الخاصة !!
ويخطئ من يظن ـ ولو بالمقاييس الأرضية وحدها ـ أن وبال (الغيبة) لا يتضرر به إلا المنهوش عرضه ، المستباح قفاه فقط . لا .. إن وبال الغيبة يحيق بثلاثة أطراف معًا:
أولها المجتمع كما سبق وبينا . وثانيها الطرف الذي تقع عليه الغيبة كما هو متفق عليه . وثالثها الطرف الوالغ في الغيبة المستمرئ لها ! ذلك لأن الذي يطلق لسانه في أعراض الآخرين ، وأنيابه في لحومهم الميتة .. إنما يهوش في نفسه نوازع الشر، ويستثير في أعماقه قابليات معينة يوظفها في الكره والحسد ، والحقد والضغينة ، بدلًا من أن يوظفها في الحب ، والإيثار، والتسامح !