فهرس الكتاب

الصفحة 24778 من 27345

بقلم: مصطفى محمد الطحان

في الطريق إلى مكة لأداء فريضة الحج أو سنة العمرة.. يمرّ المعتمر بأرض قفراء وجبال سوداء.. وهو يردد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .. وما أن يردد هذه التلبية الخاشعة العظيمة حتى تنزاح عن خاطره جميع الأفكار والرؤى الدنيوية.. وينتقل مباشرة إلى مشهد آخر.. مشهد سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو يستجيب لأمر ربه.. فيترك زوجه هاجر وابنها إسماعيل، في أرض مكة الموحشة، الخالية من الناس والزرع والماء، ويترك معها جرابًا فيه قليل من التمر، وسقاء فيه قليل من الماء، ثم يقفل راجعًا إلى أرض فلسطين.

كيف يتركهم إبراهيم في مثل هذه الأرض الخلاء.. الموحشة..؟

من أين يأكلون أو يشربون..؟!

كيف يعيش الطفل وهو ما زال يحبو، في مثل هذه الظروف الصعبة..؟

ولكن الأنبياء العظماء لا يفكرون بمثل هذه الطريقة.. فهم يأوون إلى ركن شديد.

وتسأله هاجر وقد تعلقت به ترجوه أن لا يتركهم: آلله أمرك بذلك؟

قال: نعم. قالت: إذن فلن يتخلى عنا، ولن يضيعنا أبدًا..

وانكفأت راجعة إلى صغيرها..

وينطلق إبراهيم.. وهو يخشى أن ينظر إليهما فيضعف أمام هذا المشهد الصعب.. حتى إذا وصل إلى منعطف بحيث لا يراهم ولا يرونه.. رفع يديه إلى السماء.. وهتف يدعو الله قائلًا: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } (1) .

بهذا النداء الدامع.. وبهذه الصلة الخاشعة مع رب العالمين.. أكمل إبراهيم طريقه وهو مطمئن إلى رعاية الله لطفله وزوجته..!

وكذلك فعلت الأم العظيمة هاجر.. اطمأنت إلى قدر الله وأيقنت أن الله لن يضيعهم.. ولكن الطفل يبكي يريد الطعام.. ويريد الشراب.. ومن أين ذلك وهم بواد غير ذي زرع..؟!

وتنظر هاجر إلى جراب التمر.. وإلى سقاء الماء وهو يتناقص قليلًا قليلًا حتى نفذ.. وأصبحت ولا طعام عندها ولا شراب. ولم تجزع الأم العظيمة ولم تيأس.. وظلت صابرة على الجوع والعطش وهي في كل لحظة تنتظر فرج الله ورحمته..

وطال بها الانتظار، وتمادى بها الصبر، واشتد بها الجوع والظمأ.. وبدأ الطفل يتلوى من الألم، ويئنُّ أنينًا يفظّر القلب، وأمه تنظر إليه حائرة، لا تدري ماذا تفعل..

وانطلقت الأم تبحث عن أي شيء يسعف الطفل.. هي تعرف أنها بأرض خلاء قفراء.. لا ماء فيها ولا كلأ.. ومع ذلك فهي تصعد إلى الصفا، وكان أقرب جبل لها، تنظر حولها فلم ترَ أحدًا.. ثم تهرول إلى بطن الوادي.. ثم إلى المروة.. هكذا سبع أشواط.. وهي تجري مكروبة ملهوفة.

وفي نهاية الشوط السابع.. عند المروة.. خارت قواها.. وهي تنظر تارة حولها لعلها تجد أحدًا يسعفها.. وتنظر تارة إلى طفلها فتجده يفحص برجله من الجوع والعطش..

وجاءها الفرج الذي كانت متأكدة أنه سيأتي، وإذا بجبريل يناديها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: فإلى من وكلكما في هذا المكان القفر؟ قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما - إذن - إلى الرؤوف الرحيم.

ونظرت هاجر إلى الطفل.. فإذا الماء ينبثق من بين أصابعه متدفقًا فوارًا. فكبرت هاجر، وانكبت على الماء تحوشه بيدها وهي تقول: (زم. زم) وجعلت تغرف منه في سقائها.. وهو يفور ويفور.

وهكذا سقت هاجر رضيعها، وأروت ظمأها، وسجدت لله شكرًا على ما أدركها به من الغوث والرحمة.

وهكذا هو الإنسان.. إذا وصل إلى هدفه.. يتطلع إلى هدف آخر.. لقد انبثق الماء بين يدي الغلام.. ولكن هل بالماء وحده يحيا الإنسان.. إنها تتطلع إلى الأنس.. إلى جماعة من الناس يزيلون عنها وحشة العزلة والانفراد..

ولم يطل حزنها هذه المرة فهي تعلم أنها بكنف رب رؤوف رحيم.. يعرف ما يجول بنفسها وما تتطلع إليه..

في ذلك الوقت كانت قبيلة من قبائل العرب، تسمى قبيلة جرهم تسير عبر الصحراء، متجهة إلى الشمال، فرأوا طائرًا يحلق فوق زمزم، فقال قائلهم: لا شك أن هاهنا ماءً قريبًا، فإن الطيور لا تحلق إلا حيث يكون الماء.. فأرسلوا واردهم يبحث عن ذلك الماء، حتى اهتدى إلى مكان النبع.. فانقلب إلى أصحابه يبشرهم.. فأقبلوا مسرعين، فلما رأوا هاجر.. استأذنوها في النزول عند مائها، فأذنت لهم، فنزلوا.

وهكذا نزلت قبيلة جرهم عند ماء زمزم، وأنست بهم هاجر وأنسوا بها، وشبّ إسماعيل بينهم، وتعلم منهم لغة العرب.. وعندما كبر تزوج إحدى بناتهم.. ومن هذا النسل المبارك كان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت