فهرس الكتاب

الصفحة 24722 من 27345

من هم الأحرار?

الكاتب: الشيخ أ.د.عبد الله قادري الأهدل

المحتلون ومن ظاهرهم ونال ثوابهم يدَّعون تحرير العراق، ولسان حالهم يقول:

{اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام (128) ] ونفذوا تمثيلية الانتخابات التي سجلت نسختها الأصلية في البيت الأبيض، ولندن، وتل أبيب، ومقر الحاكم"السفير الأمريكي"في بغداد، وشايعتها الدبابات والمدافع والرشاشات والصواريخ والطائرات.

وأعلن كل من المتظاهرين"أي الذين ظاهر بعضهم بعضا على الاحتلال والعدوان"

أن يوم الانتخابات يوم عرس وحرية وديمقراطية.

وهو من إعلانات العصر المعروفة عن السلع المستهلكة في المحطات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام، التي تخدع الجماهير المستهلكة.

وانبرى القضاة والشهود والمحامون"وكلهم من أسلم"يثبتون صحة شرعية التمثيلية الانتخابية.

أتدري من هم الذين انبروا لتصدق التمثيلية؟ إنهم أركانها من قادة أمريكا، وبريطانيا، واليهود، وأتباعهم، وبخاصة المستفيدين من التمثيلية.

وكي لا أدع القارئ يتحير في عبارة:"وكلهم من أسلم"أستأذنه في بيان معناها بإيجاز:

كانت قبيلتان يمنيتان متجاورتان في عهد أئمة آل حميد الدين في اليمن، متعاديتين متقاتلتين دائما لأتفه الأسباب، على قمم جبال تحد بينهما، هما قبيلة"أسلم"وقبيلة"بني حسن"وكان لقبيلة"أسلم"سوق أسبوعي يسمى"سوق الثلاثاء"يحضره المتسوقون من كلتا القبيلتين ومن غيرهما. لتبادل السلع وبيعها وشرائها.

وكان يحصل بين بعض أهل السوق تنازع، ومنهم بعض أفراد القبيلتين، فيرجعون إلى حاكم السوق، وهو من قبيلة"أسلم"فإذا حكم للخصم الأسلمي على خصمه الحسني، قال المحكوم عليه:"الخصم من أسلم، والقاضي من أسلم، والشهود من أسلم، فكيف أسلم؟!"

والشعب العراقي الذي قاطع الانتخابات [ومنهم: هيئة علماء المسلمين العراقي] هو ا"الحسني"المحكوم عليه هنا، والمحتل الأمريكي والبريطاني، هما الخصم"الأسلمي"والمحامي والقاضي- وهما أسلميان- هم الدول المظاهرة للمحتل، كأستراليا وغيرها ممن لهم جنود محتلة في العراق، والشهود هم الذين يتوقعون أنهم سيستفيدون من تمثيلية الانتخابات، والمعارضون العراقيون للاحتلال، هم"الحسنيون"الذين يقولون:"فكيف أسلم؟!"

ولكن يجب أن تطمئن هيئة علماء المسلمين، ومن وقف بجانبها من معارضي الاحتلال الأمريكي وتمثيليته، أنها صاحبة الحق الذي لا يشك فيه عاقل يمقت الاحتلال، وأنهم هم الأحرار الذين يضغط عليها الأقوياء ومن شايعهم، ليرضوا بالذل والهوان تحت المعتدي المحتل وسيادته، ويفقدوا بذلك استقلالهم وبقاء بلدهم العراق، وسكانه في دائرة عبودية الأمريكان، ليطمئن المقاومون أنهم هم الأحرار، وأن الذي يقبلون الاحتلال ونتائجه غير الشرعية، والذين يستظلون بمظلته ويعيشون تحت سلاحه وقواعده، هم الذين فقدوا وسيفقدون الحرية الحقة.

فليست الحرية هي حرية من ظاهره الْمُلك، الذي يعجب صاحبه ما يملكه من أموال، وما يتبعه من أنصار من قوات وخدم وغيرها، مهما كثرت تلك الأموال، وتعاظمت تلك القوات ورقص له الراقصون من الخدم، ما دام قلب صاحبه مستعبدا مستذلا لغيره من الشر، وبخاصة البشر المعتدي المحتل لبلاده.

وإنما الحر هو الذي يرفض الاستعباد، ولا يبيت على ضيم مهما قوي عدوه، ومهما أوذي هو وتوالت عليه الفتن.

وقد دل كتاب الله، و السنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، وواقع الحال على مدار التاريخ، أن الحر الحقيقي، هو الذي لا يتعلق قلبه إلا بالله، ويعبده ولا يعبد سواه.

فالذي يتعلق قلبه بغير الله، ويذل لسواه، إنما يذل ويستعبد لآلهة شتى، كل منها يأمره بما لا يقدر على تنفيذ أمره، لأن أوامرهم متضادة: إذا قال له هذا: اقعد قال له الآخر: قم, وإذا قال له ذلك، اذهب إلى البيت، قال له السيد الأخر: اذهب إلى السوق...فمتى يكون حرا من تَعَدَّدَتْ أسياده.

يقول الله تعالى في الحر الحقيقي، والمستعبد الذي قد يدعي الحرية، وهو يفقدها

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر (29) ]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) [صحيح البخاري (3/1057) ]

ويقول الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه مؤنبا أميره على مصر، وقد اعتدى ابنه على ذي ذمة نصراني:"كيف تذلون الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟!"

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مقررا معنى الحرية الحقة والعبودية المذلة لغير الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت