بقلم /عمر مناصرية
سورة الكهف من السور المكية التي يتفاعل معها المسلمون بشدة ، فهم يقرأونها كل أسبوع مرة ، وفي الحديث الشريف أن من قرأها مرة كل أسبوع كانت له نورا طوال ذلك الأسبوع ، وعندما نتأملها سرعان ما ندرك أن أهم ما تتميز به ، هي القصص: قصة أصحاب الكهف ، ومثل الرجلين والجنتين ، وقصة موسى مع العبد الصالح التي لم تذكر إلا في هذه السورة ، وقصة ذو القرنين التي لم تذكر أيضا إلا في هذه السورة . غير أن ما يلفت الانتباه إليها ، هو أنها تتناول موضوعا واحدا ، وهو تحرير الإنسان من رضوخه لسلطان الأشياء والظواهر والقيم التي يقع سجينا لها ، فتذهب بأعماله كلها ، ولا يلقى منها غير العذاب والنار.
ففي قصة أصحاب الكهف .نجد أن تجربتهم كلها قامت على هدف واحد ، هو تحريرهم من الزمن ، وتخليصهم من الأسر الذي يمثله على الإنسان ، حتى إذا تحرروا رأوا الحقيقة التي كافحوا لأجلها كاملة ، وهي وجود عالم غيبي ، فيه الجزاء والعذاب والنار والحساب .
ففي قصة أصحاب الكهف (من الآية 9 إلى الآية 26 ) .نجد أن تجربتهم كلها قامت على هدف واحد ، هو تحريرهم من الزمن ، وتخليصهم من الأسر الذي يمثله على الإنسان ، حتى إذا تحرروا منه رأوا الحقيقة التي كافحوا لأجلها قد انتصرت ، كما أصبحوا هم أنفسهم دليلا عليها ، حيث بعثوا ثانية بعد فترة زمنية طويلة ، لا يمكن للإنسان وفق مفاهيم الزمن الدنيوي أن يقاومها، وبالتالي فإن هناك زمنا آخر، فيه الجزاء والعذاب والنار والحساب ، وهي نفس المفاهيم التي كانت تثار حولها التساؤلات في مجتمع ذلك الزمان ، فالحقيقة إذن لا تموت ، سواء من جهة انتصارها عبر الزمن ، أو من حيث موضوعها الذي قامت للتأكيد عليه ، وهو هنا وجود زمن أخروي غيبي في مقابل الزمن الدنيوي، يؤول إليه الإنسان ، وتؤول إليه كل أعماله ، والزمن فقط هو الذي يمنع الإنسان من رؤية ذلك ، فيركن إلى ما حوله من الأشياء والشهوات والدنيا، ولا يستطيع النفاذ إلى ما وراءها من حكمة ومن حقائق أخرى تقلب حياته كلها .
إن بطء الزمن الدنيوي بالنسبة للإنسان يجعل من إمكان التحرر منه أمرا عسيرا وصعبا ، إلا إذا استطاع الإنسان على هدى من الله أن يدرك هذه الحقيقة ويؤمن بها ، ليس بصورة تقريرية ، ولكن بصورة يرتقي بها عن الزمن نفسه ، فتتحول أفعاله نتيجة ذلك إلى الغاية الحقيقية منها.لذلك بعد هذه التجربة مباشرة ، تذكر الآيات العالم الأخروي المستقبلي والجزاء الذي يكون فيه من حساب و من جنة أو نار ، كزمن حقيقي يجب على الإنسان أن تكون أفعاله كلها وحياته مستندة إليه .
ثم ثم في نفس السياق يضرب الله مثلا آخر عن الرضوخ الإنساني ، في مثل الرجلين الذين كان لأحدهما جنتين ، من الآية 32 إلى 44 ، فالجنتين تمثلان عملا دنيويا صرفا ، يسجن صاحبه ، ويضعه في أسره ، فيكف عن رؤية الحقيقة التي يريها له صاحبه ، فتصبح الجنتان تغطيان عينيه وتعميانها عن إدراك الحقيقة قراءة في سورة الكهف:تحرير الإنسان وتجاوز العقل اللاعلمي