مقدمة:
لقد شهد هذا العصر نهضة علمية في شتى المجالات, ومن ضمن تلك المجالات ما يتعلق بعلم الأجنة ومراحل تخلق الإنسان, هذا العلم الذي كانت معلوماته محل تخمينات عقلية وتصورات ذهنية,حتى ارتقى العلم في القرن الماضي إلى مرحلة الوصف الدقيق القائم على استخدام الأجهزة الحديثة,فظهر للعلم مقدار التخبط الذي كان سائدًا في العصور السابقة في مسألة تتعلق بالإنسان نفسه ومراحل تخلقه, لكننا مع ذلك نرى في كتاب الله تعالى بيانًا واضحًا لا تشوبه أي شائبة في مسالة تخلق الإنسان, وأنه يتقلب في أطوار ومراحل, لا كما كان سائدًا في ذلك الوقت من فكرة الخلق التام وأن الإنسان يخلق خلقًا تامًا من دم الحيض أو من منوي الرجل أو من بييضة المرأة فقط, يقول الله تبارك وتعالى: )وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا( [نوح:14] ولم يقف القرآن العظيم عند هذا الحد , بل ذكر كل تلك الأطوار والمراحل التي يمر بها الإنسان, وأعطى كل طور تسمية خاصة به تصف شكل هذا الطور وأهم التغيرات التي تحدث فيه,
مما يدل على أن هذا القرآن نزل بعلم الله ,قال تعالى:) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( [ الفرقان:6] ,ويقول تعالى:) لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا( [النساء: 166] .
مقدمة تاريخية في علم الأجنة:
مرّ تاريخ علم الأجنة بثلاث مراحل أساسية هي المرحلة الوصفية ومرحلة علم الأجنة التجريبي ومرحلة التقنية واستخدام الأجهزة.
1-المرحلة الوصفية أو علم الأجنة الوصفي:
-تعود إلى أكثر من ستة قرون قبل الميلاد وتستمر حتى القرن التاسع عشر.
وتم خلالها وصف الملاحظات الخاصة بظاهرة تطور الجنين.
-وقد وُجدت بعض السجلات المدونة من فترة السلالات الفرعونية الرابعة والخامسة والسادسة في مصر القديمة حيث كان الاعتقاد بأن للمشيمة خواص سحرية خفية.
-أما اليونان القدماء فهم أول من ربط العلم بالمنطق بفضل تعليلاتهم المنطقية، ولم تُسجَّل منذ عام 200 بعد الميلاد حتى القرن السادس عشر أية معلومات تذكر عن علم الأجنة.
-ومما كان سائدًا آنذاك , المفهوم الخاطئ الذي قال به أرسطو طاليس من أن الجنين يتولد من دم الحيض , وانتقل على مر القرون , وكان علماء المسلمين يرفضون فكرة أن الجنين يتولد من دم الحيض , مستندين إلى قوله تعالى: ) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى( [القيامة:37] والأحاديث النبوية التي سنورد بعضها في بحثنا هذا .
-وأما في القرن السادس عشر وما بعده فقد مهّدت أبحاث"فيساليوس"و"فابريسيوس"و"هارفي"لبدء عصر الفحص المجهري، وتم اكتشاف المنوي من طرق العالمين"هام"و"فان لوفينهوك"عام 1701م. إلا أن اختراع المجهر لم يكن كافيًا لبيان تفاصيل تكوين المنوي حيث اعتقد العلماء بأن الإنسان يكون مخلوقًا خلقًا تامًا في المنوي في صورة قزم، وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يُخلَقٌ خلْقًا تامًا في بيضة، كان فريق آخر يقرر أن الإنسان يُخلق خلقًا تامًا في المنوي, ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا حوالي عام 1775م عندما أثبت"سبالانزاني"أهمية كل من الحيوان المنوي والبويضة في عملية التخلق البشري.
2-مرحلة علم الأجنة التجريبي:
بدأت هذه المرحلة في أواخر القرن التاسع عشر حتى الأربعينيات من القرن العشرين حيث قفزت أبحاث العالم"فون باير"بعلم الأجنة من مرحلة التجارب والمشاهدات إلى مرحلة صياغة المفاهيم الجنينية، كما طور العالم"روس هاريسون"تقنية زرع الحبل السري وبدأ"أوتو واربوغ"دراساته عن الآليات الكيميائية للتخلق، ودرس"فرانك راتري ليلي"طريقة إخصاب المنوي للبويضة، كما درس"هانس سبيما"آليات التفاعل النسيجي كالذي يحدث خلال التطور الجنيني، ودرس"يوهانس هولتفرتر"العمليات الحيوية التي تُظهِر بعض الترابط بين خلايا الأنسجة فيما بينها أو بينها وبين خلايا الأنسجة الأخرى.
3-مرحلة التقنية واستخدام الأجهزة:
وتمتد هذه المرحلة من الأربعينيات إلى يومنا هذا، وقد تأثرت تأثرًا بالغًا بتطور الأجهزة الطبية مما كان له التأثير القوي على مسار البحوث العلمية.
فلقد كان اكتشاف المجهر الإلكتروني وآلات التصوير المتطورة وأجهزة قياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف، وكذا ظهور الحاسوب ومجموعة الكشف عن البروتينات والأحماض النووية، كل هذه كانت عوامل سمحت للعلماء بإجراء تجارب كانت تبدو قبل سنوات فقط من الأحلام الخيالية حيث تم التوصل إلى فهم ووصف دقيق لمراحل التخلق الجنيني بفضل كل هذه الأجهزة الحديثة. (1)
المعلومات الجنينية في القرآن والسنة: