فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 27345

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

من أشد الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغضًا للاختلاف، وكرهًا للتفرق والتشرذم، وتحذيرًا من كل الأسباب والوسائل التي قد تؤدي إلى ذلك، الخليفة الملهم المحدَّث الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لإدراكه لخطورته ومغبة نتائجه، وفساد منقلبه، ولحدة فراسته لأنه كان ينظر بنور الله.

أخرج الإمام الطبري في تاريخه بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر رضي الله عنه قال لناس من قريش:"بلغني أنكم تتخذون مجالس، لا يجلس اثنان معًا، حتى لا يقال: مَنْ صَحَابة فلان؟ مَنْ جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس، وأيم الله إن هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم، ولكأني لمن يأتي بعدكم يقول: هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقسامًا، أفيضوا مجالسكم، وتجالسوا معًا، فإنه أدوم لإلفتكم، وأهيب لكم في الناس".

ها نحن نرى عمر رضي الله عنه وقد فطن لسبب رئيس من أسباب تفرق الأمة، فحذر منه في الحال، ومنع من تعاطيه لما يخشى من نتائجه في المآل، ألا وهو التشرذم والانغلاق والتحزب المؤدي إلى تعدد الولاءات، وتفرق الأمة إلى طوائف وجماعات، وإعجاب كل فرقة بما تهواه من العقائد والمقالات، وسوء الظن بالمخالف، ولو في الوسائل والاجتهادات.

ينتج عن ذلك كله ما حذر منه رسول هذه الأمة، وهو الشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، الذي هو من الطوام العظام، والفتن الجسام، حيث لا يجدي معه أمر ولا نهي، ولا نصح ولا رشد.

لقد خشي عمر رضي الله عنه أن تكون تلك المجالس والمنتديات نواة لتجمعات وتكتلات صغيرة، وبذرة للتفرق والتشتت المذموم، فمعظم النار من مستصغر الشرر، لذلك نهى عنها وحذر منها، من باب سد الذرائع، لأن التفرق في المجالس، والانغلاق عن المجتمع، ينتج عنه تفرق في الرؤى، فينتسب أهل كل مجلس إلى البارزين منهم، ويتعصبون لهم، ويعجبون بآرائهم، وأقوالهم، وتأخذهم حمية الإلفة والاجتماع.

لذات السبب عندما أراد الأنصار أن يتحزبوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه:"منا أمير ومنكم أمير"؛ رد عليه أبو بكر وعمر في الحال، فقالا:"منا الأمراء ومنكم الوزراء"؛ حسمًا لمادة التحزب والتشرذم، لأن هذه الأمة سر قوتها في اجتماع كلمتها، وتوحد صفها، فالإسلام لا يقوم إلا بالجماعة، ونبذ الفرقة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار"، أو كما قال.

"المتقون سادة والفقهاء قادة"كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، والقادة ينبغي عليهم أن يترفعوا عن الصغائر، ويدركوا المخاطر، ويسعوا لرأب الصدع، ولَمِّ الشمل، وتوحيد الكلمة، قبل فوات الأوان، وحلول الندامة والخسران، فما لا يدرك كله لا يترك جله، ويكون ذلك بالآتي:

(1) تحسين الظن بالآخرين، ونعني بذلك كل المسلمين، سيما أهل السنة، فكثير من أسباب الفرقة مردها إلى سوء الظن، وانعدام الثقة، فإذا حَسَّنَ أحدنا ظنه بأخيه المسلم، وحكم عليه بما ظهر منه، وسار فيهم بسيرة ابن عمر رضي الله عنهما:"من خدعنا في الله انخدعنا له"، زالت كثير من تلك الأسباب، وصفت القلوب، واطمأنت النفوس.

(2) إجابة الدعوات والإكثار من الزيارات في جميع المناسبات تذيب كثيرًا من تلك الأوهام.

(3) اللقاءات الدورية والندوات المشتركة والاجتماعات تقرب من وجهات النظر.

(4) منع الأتباع من نقل الأخبار عن الغير، اللهم إلا من أهل البدع الكفرية، الداعين لبدعتهم، فكثير من الجفاء وتوغير الصدور مرده إلى تلك النقول، ولا تقل أخي الكريم: أخبرني الثقة!"فالثقة لا يبلِّغ"كما قال ابن عمر رضي الله عنهما، وإن كان لا بد من ذلك فالتثبت واجب.

(5) ما صح من المنقول إلينا علينا أن نحمله على أحسن وجه، عملًا بنصيحة عمر رضي الله عنه:"ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير مدخلًا، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك".

(6) عدم الخوض في الجدل والمنازعات والخصومات، فعلينا بيان الحق وتجلية السنة، فمن قبل ذلك يُشكر ومن لم يقبله يترك.

(7) لا نقصر حقوق المسلم على أفراد جماعتنا، فهي حقوق عامة لكل المسلمين، عصاة كانوا أم طائعين.

(8) أن يشتغل كل منا بعيوبه وسلبيات جماعته، فما أكثر عيوبنا وما أخطر سلبياتنا!

(9) الصبر والمداراة لإخوة العقيدة ورفقاء الدرب.

(10) اعمل بالحكمة:"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

(11) "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون عدوك يومًا ما، وأبغض عدوك هونًا ما، عسى أن يكون صديقك يومًا ما"، كما أثر عن علي رضي الله عنه.

(12) عليك أن توالي أخاك المسلم بقدر ما فيه من خير وإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت