الشيخ صالح بن محمد الأسمري
الحمدُ لله نَحْمَده، ونستعيْنه، ونستغفرُه، ونستهديه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أَنفسنا، وسيئاتِ أَعمالنا؛ مِنْ يهده اللهُ فلا مضلَ له، ومن يضللْ فلا هادي له، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أَنَّ محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين.
أما بعد.
فإن مسائل التكفير من المسائل العظيمة التي زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، وطاشت فيها أقلام، فأصبح كثير ممن ينتسب إلى أهل العلم وهم منهم براء لا يتورعون عن تكفير المخالف؛ لأدنى شبهه سواء كانت على المستوى الفردي، أم الجماعي..!!
ولذلك أحببت أن أجمع في هذه الورقات خلاصة دروس ألقيت حول (التكفير) تذكرة للمنتهي، وتبصرة للمبتدي.
وأصل هذه الدروس لشيخنا المفضال صاحب الأفضال / صالح بن محمد الأسمري التي ألقاها في جامع الملك عبد العزيز (بمكة المكرمة) تحت عنوان يوسم بدروس في التكفير . ومن أراد أن يتوسع في ذلك فليراجع (الأشرطة) ، وقد سُجّلت هذه الدروس أيضًا من قبل إذاعة القرآن الكريم نفع الله بها.
** الأسس المنهجية حول بحثه للمسائل:
وقد سار شيخنا في هذه الدروس المباركة على أسس، وقوانين عظيمة لم يخرج فيها عمّا قرره أهل العلم.
وهذه الأسس مبنية على دعامتين:
* الدِعَامَة الأَوّلى: تَقْرِير مَسَائِل الاعْتِقَاد عَلَى وَفْق مَنْهَج أَهْل السُنَّة والجَمَاعَة.
* الدِعَامَة الثانية: تَقْرِير المَسَائِل العلمية، والفقهية الشَّرْعِيَّة عَلَى قانونها المتبع، فلا بدع، وذَلِك راجع إِلَى شيئين:
أَوَّلُهُمَا: ذكر الدليل المعتبر، والأدلة عند أَهْل الفقه والنظر مِنْ حيث الخِلاف والوفاق تأتي عَلَى جهتين:
الأَوّلى: فجهة اتفق عَلَى اعتبار أدلتها، وتصحيح دلائلها وجماعها أربع أدلة:
أَوَّلُهَا: كتاب الله.
ثَانِيْهَا: سنة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -.
ثَالِثُهَا: الإجماع.
رابعها: القياس.
الثانية: فجهة مختلف فيها، وفيها أدلة كثيرة أشار ابن الصلاح - يرحمه الله - إِلَى أَنَّها تأتي إِلَى نحو ثلاثين دليلًا،
ومن ذَلِك قول الصحابي وفعله، ومن ذَلِك شرع مِنْ قبلنا؛ إِلَى أدلة اشْتُهِر ذكرها في كتب الأصول عند الأئمة الفحول؛ كالموَفْق ابن قدامة - يرحمه الله - في كتابه: [روضة الناظر وجنة المناظر] .
وثانيهما: فهو أَنَّ تكون الصيرورة عند العمل والإفتاء إِلَى قولٍ، أو مذهبٍ مرتكزٍ عَلَى ركيزتين:
الركيزة الأَوّلى: فهو أن يكون محفوظًا، وضد المحفوظ الشاذ.
الركيزة الثانية: فهو أن يكون معمولًا به، وضد المعمول المهجور
فائدة:
أَنَّ المَسَائِل عند بحثها، والأحكام عند إثباتها؛ لا بد فيها مِنْ تحرير العبارة، وذكر الحكم مقيدًا بقيوده، فلا يؤخذ الحكم عاريًا مِنْ قيوده، والبيان خاليًا مِنْ تبعاته التي تُذْكَر، فإنَّ الذي يأخذ الحكم بلا قيوده؛ كمثل الذي يأخذ الدين دون تفاصيله، كذا قال جماعة مِنْ الفقهاء في ذَلِك، ومنهم ابن الهمام - يرحمه الله -
** مباحث الدروس:
قال شيخنا(... وسيرتكز الحَدِيْث في مَسْأَلَة التَكْفِيْر بحثًا، وذكرًا عَلَى محاور ثلاث:
المحور الأَوّل: في بيان حقيقة التَكْفِيْر وحكمه.
المحور الثاني: في بيان ضوابط التَكْفِيْر وقيوده.
المحور الثالث: في ذكر الشُبُهَات؛ تفنيدًا لها، وبيانًا لعوارها. )
فائدة:
ذَلِك أَنَّ الحكم مبني عَلَى صحة التصور، وأَنَّ الحكم لا بد أن يعقب بقيوده وضوابطه، فإذا درس المرء الحق بقيوده، فلابد مِنْ إزالة الشُبُهَات التي ربما خطفت ذهنًا وأردت عقلًا، وهَذَا معروف عند الأئمة؛ ولِذَلِك قالوا: بحث المَسَائِل الاعْتِقَادية لا بد أن يكتمل مِنْ جميع الأَوْجُه، وذكروا مِنْ ذَلِك أَوْجُهًا أربعةً مشهورةً:
* أَوَّلُهَا: تصور المَسْأَلَة عَلَى وجهها.
* ثَانِيْهَا: معرفة قيودها مَع الحكم وما يتبعه.
* ثَالِثُهَا: معرفة ما يتعلق بلواحق المَسْأَلَة مِنْ فروع وما إليه.
* رابعها: معرفة الشُبُهَات مَع تفنيدها.
فإذا اجتمع للمرء في مَسْأَلَة اعتقادية تلك الأوجه الأربعة عَلَى حقيقتها المعتبرة، فإن المنفعة تحصل، والتأسيس يتحصل، وبه ينبت المرء ويكتمل، والله المستعان وعليه التكلان. )
المحور الأَوّل: في بيان حقيقة التَكْفِيْر وحكمه.
يتعلق الحَدِيْث عَنْ المحور الأَوّل مِنْ محاور مَسْأَلَة التَكْفِيْر بثلاث أساسات:
أَوَّلُهَا: خطورة التَكْفِيْر.
ثَانِيْهَا: حقيقة التَكْفِيْر.
ثَالِثُهَا: حكم التَكْفِيْر.
أما الأَوّل:
وهو خطورة التَكْفِيْر، فإن للتكفير خطرًا وللنعت الآخرين أو الفعال والصفات في كلٍ أثرًا، جماع ذَلِك ثلاثة أشياء: