فهرس الكتاب

الصفحة 5622 من 27345

د. علي بن عمر بادحدح 14/8/1425

هناك مسألة مطروحة للنظر في مشروعيّتها، وخلاصة المسألة أن هذا العصر عظمت فيه الشُّبهات، وكثرت فيه الشّهوات، وتعدّدت الشواغل الدنيوية، وتنوّعت الارتباطات الاجتماعية، بما زاحم الأوقات المخصّصة للطاعات والاستكثار من الخيرات، والمواظبة على السنن والتطوعات، وصار كثير من عوام المسلمين- بل وخواصهم- لا يكادون يحافظون على أوراد الأذكار، وتلاوة القرآن، فضلًا عن رواتب السنن وصيام التطوع، إضافة إلى ندرة قيام الليل ودعاء الأسحار، وضعُف - من أثر ذلك - الإيمان، وقلّت آثاره: من صفاء القلب وزكاة النفس، وعظمت الشكوى من جفاف الروح، وضعف الهمة في الطاعات، وثقل التضحية في العاديات فضلًا عن الملمات، والأكثرية يشعرون بعدم القدرة الفردية على الأخذ بالحظ الأوفى من التطوعات، ونوافل العبادات بسبب ضعف الإرادة وغلبة البيئة المحيطة، ومع شعور الجميع بأهمية ذلك وُجد الاجتهاد بالأخذ بالوسائل المعينة لسد هذه الثّلمة، وسدّ ذلك النقص، ومن ذلك التواصي بين مجموعة المسلمين الحريصين على الخير على بعض البرامج الإيمانية التعبديّة، والتعاهد على الالتزام بها، والتشارط فيما بينهم على المراجعة والمحاسبة فيما بينهم، تذكيرًا للغافل وتنشيطًا للخامل، ومنعًا لاستيلاء ضعف النفوس، وغلبة الأحوال المحيطة بهم، ومن هنا برز السؤال عن مشروعية مثل هذا التعاهد والمحاسبة عليه، وهذه خلاصة حول هذه المسألة:

وجوابها أنه بعد البحث يمكن القول: إن هذه المسألة بعينها ليس فيها نص قرآني أو نبوي يتناولها، وليس فيها من فعل الصحابة والتابعين ما ينطبق عليها، ومن هنا فإن ما سيرد عن هذه المسألة دائر في عمومات الأدلة والمقاصد الكبرى مع استشهادات ذات صلة قريبة يمكن من خلالها الوصول على قول فيها:

1-تزكية النفوس مطلب شرعي:

إن تزكية النفس وتنقيتها من أدران المعاصي أمر مطلوب شرعًا، لقول الله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) قال ابن عطية:"معناه: طهّر نفسه ونمّاها بالخير" [تفسير ابن عطية1970] وقال السعدي:"أي قد فاز وربح من طهّر نفسه ونقّاها من الشّرك والظلم ومساوئ الأخلاق" [تفسير السعدي ج1/ص921 ] ولقد كان من مهمات النبي صلى الله عليه وسلم تزكية المؤمنين، قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة:2] .

2-فرائض العبادات والنوافل طريق لتزكية النفوس:

جعل الشارع الحكيم فرائض العبادات من أسباب تحقيق تزكية النفوس، ويدل على ذلك الحكم والغايات النفسية والخلقية التي ذكرت لها كما في قوله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقال جل وعلا: (يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقال تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ونحو ذلك، وكذلك فإن من ثمرات نوافل العبادة تزكية النفس وترقيتها، يقول الله في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه ولئن استعاذ ني لأعيذنّه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ) [صحيح البخاري (6137) ج5/ص2384 ] . قال ابن حجر:"وقال الفاكهاني معنى الحديث أنه إذا أدّى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام، وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى" [فتح الباري ج11/ص343 ] .

فهذه الدرجة العالية لا يصل إليها العبد المؤمن إلا بالتزام الفرائض، والإكثار من نوافل العبادة والطاعات.

ولذلك سعى المربون من لدن نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وحتى يومنا هذا إلى دعوة أتباعهم إلى الإكثار من الطاعات والنوافل حتى تزكو نفوسهم، وتصفو سرائرهم. وبالتالي يخوضون غمار الحياة محصّنين - بإذن الله تعالى - من الافتتان بزخرفها لما عندهم من رصيد إيماني يدفعهم إلى الزهد في الدنيا والتطلع للآخرة.

3-مشروعيّة المداومة على النوافل والالتزام بها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت