عن أم المؤمنين أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( من صلّى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [صحيح مسلم (728) ج1/ص502 ] . فقوله صلى الله عليه وسلم من صلى...في يوم وليلة يدل على أن المداومة مطلوبة، وهذا ما فهمته أم المؤمنين إذ تقول في ختام الحديث: (فما تركتهن منذ سمعتهن) قال النووي فيه:"إنه يحسن من العالم ومن يقتدي به أن يقول مثل هذا، ولا يقصد به تزكية نفسه بل يريد حث السامعين على التخلق بخلقه في ذلك، وتحريضهم على المحافظة عليه، وتنشيطهم لفعله) [صحيح مسلم (728) ج1/ص502 ] ."
وعن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حُرّم على النار) [سنن أبي داود ج2/ص23، صحيح ابن خزيمة ج2/ص206، سنن الترمذي ج2/ص293قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب ] . ولفظ (حافظ) في الحديث يدل على طلب المداومة والاستمرار.
وقال صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على أنواع أخرى من العبادات، فيقول في الحث على الاستغفار: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همّ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب) [سنن أبي داود ج2/ص85 ] . وكذلك لفظ (من لزم) يدل على الاستمرار وملازمة الاستغفار والإكثار في كل وقت وعلى كل حال، قال في عون المعبود: (قوله:(من لزم الاستغفار) أي عند صدور معصية، وظهور بليّة أو من داوم عليه فإنه في كل نفس يحتاج إليه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا ) [ رواه بن ماجه بإسناد حسن صحيح، عون المعبود ج4/ص267 ] .
في الأحاديث التي أوردناها نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو أصحابه، ويرغّبهم في القيام بشيء من النوافل والمداومة عليها، سواء كانت هذه النوافل في الصلاة أو في الأذكار، وبيّن الأجر الجزيل في ذلك، وما ذكرته من أمثلة ما هو إلا غيض من فيض.
وهكذا نجد أن في هذه الأحاديث ما يدل على طلب المداومة والاستمرار عليها، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: ( وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلّ ) [صحيح البخاري (5523) ج5/ص2201 ] . وتقول عائشة:"وكان أحبّ الدين إليه ما داوم عليه صاحبه" [ صحيح البخاري (46) ج1/ص24 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( أحبّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ ) [ صحيح مسلم ج2/ص811 ] .
كما أن الالتزام بالنوافل وسيلة للوصول إلى محبة الله تعالى، كما في الحديث القدسي المذكور أعلاه في أولياء الله، وقد ثبت عن كثير من السلف الصالح إلزام أنفسهم بكثير من التطوعات بحيث يواظبون عليها ولا يتركونها، بل ويقضونها إذا فاتتهم في أوقاتها، بل ربما يعاقبون أنفسهم عند فواتها، فقد كان"لمحمد بن سيرين سبعة أوراد فإذا فاته شيء من الليل قرأه بالنهار" [ تهذيب السير 1/459] ،"وعبدالله بن عون المزني كان له سُبُع يقرؤه كل ليلة، فإذا لم يقرأه أتمّه بالنهار" [ تهذيب السير 2/545] ،"ونام تميم بن أوس الداري ليلة لم يقم للتهجد، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع" [ تهذيب السير 1/177] .
4-مشروعيّة السؤال عن أداء النوافل والحثّ على التزامها:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه عن قيامهم ببعض النوافل، فقال لهم ذات يوم:"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا قال: فمن تبع منكم اليوم جِنازة؟ قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: -رضي الله عنه-: أنا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) [صحيح مسلم ج2/ص713 ] . وفي سؤاله عن إيقاع الأعمال الصالحة والنوافل بيان لمشروعية السؤال على سبيل التفقد لأحوال أصحابه والاطمئنان على حرصهم ومبادرتهم لأعمال الخير، وفي بيانه صلى الله عليه وسلم لثواب هذه الأعمال حثّ على القيام بها، والمداومة عليها، وفي هذا الشأن يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله ) [سنن الترمذي ج4/ص638 وقال الترمذي هذا حديث حسن ] ، قال الترمذي: ومعنى قوله (من دان نفسه) يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسب يوم القيامة، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وتزيّنوا للعرض الأكبر؛ وإنما يخفّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا" [سنن الترمذي ج4/ص638 وقال الترمذي هذا حديث حسن] ."
5-كراهة ترك المواظبة على التطوعات بعد التزامها: