حوار: صلاح رشيد
-ما دام أدباؤنا ومثقفونا متمسكين باللغة العربية فلا خوف عليهم
-باكثير ضحية الشيوعية ، والفراهيدي ضحية أعداء لغة الضاد
-طه حسين لم يغير فكره وأقول ذلك رفعا للغشاوة عن أعين الناس
-الحداثة محاولة مكشوفة لهدم اللغة و"إقليمية الأدب"دعوة إلى التمزق الثقافي
ما نزال لا نعرف قيمة هذا الرجل ولا أظن أننا عرفناها حتى بعد وفاته.
إنه العلامة والمفكر الإسلامي الراحل الأستاذ أنور الجندي الموسوعة البشرية الإسلامية ، رجل نذر عمره لله ، وجاهد فيه حق جهاده ، فمات بشهادة طبيبه الخاص وهو يصلي مضطجعا على شقه الأيمن ، فقد مرض مرضا شديدا قبيل وفاته، وكان آخر ما قاله:"يا رسول الله أنا أنور الجندي، قادم إليك من أقاصي الصعيد"حيث كان المفكر الراحل من مواليد مدينة ديروط بصعيد مصر عام 1917.
كان العلامة الراحل في أخريات أيامه لا يستطيع الحديث فترة طويلة ، ولكن قبل أن يشتد عليه المرض أجريت معه هذا الحوار ، وكان حوارا قصيرا لا يتناسب مع عمق وامتداد فكر العلامة أنور الجندي ، ولكن ظروفه الصحية حالت دون أن يكون الحوار في مستوى فكر الموسوعة الراحل ولا مستوى طموحي .
إنه حوار لم ينشر مع الأستاذ أنور الجندي ، لعله يفسح الطريق لمعرفة قدر هذا الرجل بعد موته .
اللقاء متميز جدا ، ومهم جدا ؛ لأنه مع شخصية متميزة ومهمة جدا ، مع شخصية ثرية الفكر ، غاية الثراء ، عميقة غاية العمق ، إنها شخصية مفكر وعالم وكاتب وأديب وباحث متجرد لفكره ، يعيش حياته كلها من أجلها ، وما أطولها من حياة ، وما أجلها من فكرة ، بعيدا في ذلك كله غاية البعد عن مجالات الشهرة والبحث عن النجومية ، أو إحداث الدوي كأنما هو زاهد أو راهب في صومعة لا يتطلع إلى أي شيء في هذه الحياة ، سوي أمر واحد هو أن يقول كلمته ، إنه من النماذج النادرة التي قلما تجود بها الحياة ، أو تظهر في تاريخ الفكر الإنساني ، بين آن وآخر ، لتكون مهيأة بالعقل والقلم على أداء دور كبير، ليس على مسرح الحياة وإنما في أعماقها، من أولئك القادرين على استيعاب مفاهيم عصرهم من أجل الدفاع عن دعوة عالمية، ورسالة سماوية، وغاية سامية، يحملون لواءها مدي حياتهم ، ولا يضرهم من خالفهم ، ولا يصيبهم اليأس ولا التحول ، ولا تزيدهم الأحداث أو الأزمات إلا قوة وصلابة في مواصلة البذل والعطاء ، فكأنما هذه الحياة عندهم مجري طويل ممتد ، يبدأ في أول أمره عاديا غير لافت للنظر ، ثم لا يلبث أن يزداد عمقا، ولا يزال يمتد ويتسع أكثر فأكثر، حتى إذا أوفي على الغاية اكتمل وتضخم وأحال كل ما حوله خصبا وبهجة وحياة .
نعم- هكذا - هي حياة المفكرالأديب والكاتب الكبيروالمدافع العتيد أنور الجندي الذي بدأت رحلته مع التأليف والتصنيف وهو دون الثامنة عشرة من عمره ، ورغم ذلك بدأ ناضجا فكريا ومكتمل الرؤية ، لم يمر بأطوار مختلفة كبقية الكتاب والباحثين ، فقد بدأ وظل واثقا من أدواته البحثية وعدته العلمية ، وترسانته الفكرية ، ومرتويا بثقافته العربية والإسلامية الأصيلة التي قوامها مزيج من دراسات الأدب والعلوم والفقه والتاريخ والسنة والشرائع والقرآن الكريم، موجها قلمه صوب قضايا عصره، ومواجها تحديات الغزو الفكري ورياح المذاهب والنظريات والفلسفات المادية، موقنا - في النهاية - بانتصار كتيبة الحق على كتائب الباطل.
الحوار حاولت أن أجعله عميقا ولكن الشخصية أعمق ، والقضايا جوهرية تتلمس موضع الداء في جسد الأمة العربية، فتضمد بمهارة وحذق وكياسة.
اجعلوا اللغة العربية قضيتكم:
قلت له في البداية: ماهي أهم القضايا الثقافية التي ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل لأدبائنا ومثقفينا في الوقت الراهن ؟
فقال: على الأدباء والمثقفين عامة أن يدركوا أنهم على بر الأمان ، ولا خوف عليكم ، ما تمسكوا بالعربية"لغة القرآن"لغة أكثر من ألف مليون مسلم، وليس مائة مليون هم الغرب وحدهم؛ لأنه ما تزال قوي التخريب وفلول الاستعمار والأحقاد والغزو الثقافي تطارد اللغة العربية الفصحي مطاردة شديدة ، وهناك اتجاه تغريبي يرمي إلى هدم الفصحي وعزلها، والمبالغة في أهمية اللهجات العامية والعناية بدراستها باعتبارهااللغة المستعملة ، ولقداعتقد المسلمون على مدي القرون - واعتقادهم حق - أن لغتهم جزء من حقيقة الإسلام؛ لأنها كانت ترجمانا لوحي الله ولغة لكتابته، ومعجزة لرسوله ولسانا لدعوته ، ثم هذبها الدين بانتشاره وخلدها القرآن بخلوده ، والقرآن لا يسمى قرآنا إلا بها، والصلاة لا تكون إلا بها، فلكل لغة منهجها الفكري القائم على معانيها ومضامينها.
-هناك دعوى إلى إقليمية الأدب أي تقسيم الأدب حسب الإقليم المكاني ، فنقول: أدب مصري ، وأدب سوري ، وأدب عراقي ، فما رأيكم في ذلك ؟