فهرس الكتاب

الصفحة 13330 من 27345

تفسير سورة الأعراف

الجمعة 7 جمادى الأولى 1398 / 14 نيسان 1978

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فمع فواتح سورة الأعراف نواصل السير مستعينين بالله تبارك وتعالى ، ومن غير مزيد من الشروح نريد أن نقطع شوطًا مناسبًا في السورة الكريمة .

يقول الله تبارك وتقدس ( بسم الله الرحمن الرحيم ، المص ، كتاب أُنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ، اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون ، وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ، فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ، فلنسألن الذين أُرسل إليهم ولنسألن المرسلين ، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ، والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) وأُقدّر إن شاء الله تعالى أن جملة المعاني المبثوثة في هذا المقطع الذي تلوناه الآن واضحة في أذهان معظمكم ، فقد يشبه أن تكون هذه الآيات الوجيزة قد لّخصت بصورة بارعة غاية في البراعة محتويات السورة بعامة ، كما سوف يتضح لكم بإذن الله من خلال متابعة أحاديثنا عن هذه السورة الكريمة . وما سبق من حديث عن جزء من الآية الأولى بعد الحروف المقطعة لا داعي إلى تكراره إن شاء الله ، ولكن التذكير بعموده الفقري ضروري ، من أجل تماسك أجزاء الصورة التي نريد أن نبرزها كاملة إذا تيسّر لنا ذلك اليوم .

فقوله تعالى ( كتاب أُنزل إليك ) يشعر بتحميل رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وتحميل المؤمنين معه والذين سيأتون من بعد ، فيؤمنون بما أنزل إليهم من ربهم مسؤولية البلاغ وإيصال الدعوة إلى من لم تصل إليهم هذه الدعوة ، وتصحيح مفاهيم المؤمنين إذا تراكمت عبر العصور المتعاقبة اجتهادات خاطئة وتفسيرات مضللة ، تشوه نضارة الإسلام ، وذلك منتزع من استعمال حرف تحدثنا عنه وهو حرف الجر ( إلى ) لأن هذا الحرف يفيد الانتقال من الذات إلى الموضوع ، من الداخل إلى الخارج ، ثم ترون أن ما جاء بعد ذلك من كلام في الآية ذاتها ، وفي الآيات التي وليتها قرائن ، احتفّت بالقضية فجعلت مهمة المسلم هي أن يفهم وأن يعلم وأن يبلغ وأن يعلّم ، ضمن شرائط أشارت إليها هؤلاء الآيات بصورةٍ غاية في الإعجاز .

( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) يعني من هذا الكتاب ، لكن لماذا ؟ ( لتنذر به وذكرى للمؤمنين ) وإذًا فنحن في الصورة أمام جانبين ، جانب يتناول ضرورة طرد جميع أحاسيس الحرج والضيق والألم التي يحس بها الإنسان عادةً وطبعًا حينما يواجه مجتمعًا ما بما يغاير معتقداته ، وبما يصادم عوائده وأعرافه ، لأن هذا يؤكد ضرورةً أن الداعي إلى الجديد يشعر أنه يعيش في وسط غريب عليه ، ويعيش أيضًا في وسط يعاديه . وهو من حيث هو بشر حزمة من الأحاسيس ، كتلة من المشاعر ، لا بد أن يألم ولا بد أن يضيق ذرعًا بهذه الظواهر التي يصادفها أثناء طريقه وهو يدعو الناس إلى الله تبارك وتعالى .

في الجمعة الماضية فصلت لكم فرق ما بين الأمرين ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) وبين قول الله أيضًا خطابًا للكافة ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) وأوضحت لكم أن الحرص على اقتلاع عوامل الحرج والألم والضيق من نفس النبي عليه الصلاة والسلام شيء يشبه ألا يكون موجهًا إلى ذاته الكريمة ، ولكن هو مرشّح لما ستكون عليه حال المؤمنين من بعد ، لأن موضوع نفي الحرج بصورة باتة أمر باطل ، يعني يوجب أن يحصل على الإنسان على هذا السلام الداخلي والإطمئنان المطلق في الداخل وفي القلب وفي الحس وفي الشعور وفي الإدراك وفي العقل ، إلا أنه يعيش متوازنًا ومتناغمًا ، لا يشعر أن كل الأشياء الخطأ التي تعيش خارج نفسه يمكن أن تترك أي انعكاس على داخل نفسه لتشوش عليه حاضره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت