فهرس الكتاب

الصفحة 13331 من 27345

والمعروف عن النبي عليه الصلاة والسلام المقطوع به أنه لم يكن ذلك الإنسان الذي يمكن أن يحسّ بشيء من هذا الحرج . بعد أن انقضت المرحلة المكية وأذن الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة خرج النبي عليه الصلاة والسلام مستخفيًا ، طبعًا هو إنسان مطلوب ، وضعت قريش جائزة ضخمة مائة ناقة ، شيء كبير في مقاييس الاقتصاد لذلك الزمان ، لمن يأتيهم بمحمد عليه السلام حيًا أو ميتًا . فخرج مستخفيًا يصحبه الصدّيق ( ثاني اثنين إذ هما في الغار ) ليس المهم أن نتتبع خطى المسيرة الكريمة العظيمة التي غيّرت وجه الدنيا ، وغيّرت من صياغة الإنسان ، وإنما المهم أن نقف مستطلعين متأملين بل خاشعين أمام موقف ، حينما لحق سراقة بن مالك بالنبي عليه الصلاة والسلام في طريق هجرته طامعًا بالجائزة الكبيرة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بالرسول عليه السلام ، وتبيّن لأبي بكر سواد سراقة قاصدًا إياهم أخذه رضي الله عنه شيء كثير من الروع ، أصبح يمشي تارة عن يمين النبي عليه الصلاة والسلام ، وتارة عن يساره ، وتارة من خلفه ، وأخرى من أمامه ، لا يكاد يستقر خوف الطلب ، لا على شخص ، ولكن على شخص الحبيب الغالي محمد صلى الله عليه وسلم ، هو يعرف حقد قريش ، ويعرف مبلغ شراسة هذا الحقد ، ويعرف المصير المقرر الذي سيكون فيما لو وقع عليه الصلاة والسلام بين أيدي قريش .

هذا موقف أبي بكر وهو أكمل الأمة إيمانًا بعد نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة النبي عليه الصلاة والسلام ، إذ يقول: لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لا رجح إيمان أبي بكر . تلك خصيصة من الله اختص الله بها الصدّيق رضوان الله عليه ، ومع ذلك كان بهذا الشكل . انظر إلى الصورة الأخرى ، صورة الهارب المطلوب محمد عليه الصلاة والسلام ، ولنترك الحديث لسراقة ، يقول: جئت أشتد ، يعني يعنف على فرسه لكي تلحق بالهارب المطلوب ، ومع ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يلتفت حتى اقترب منه ، قال: فسمع صوته وهو يقرأ القرآن ويدعو الله تبارك وتعالى ، ومع ذلك لم يلتفت إليه أبدًا ، أين أنت ؟ بيد الله . سراقة ومحمد وأبو بكر وقريش ومن في الأرض جميعًا بيد الله تبارك وتعالى ، وإذًا فأية شعرة تهتز في جسد الإنسان بعامل الرعب أو الخوف تؤكد أن ثمة نقصًا في إيمان الإنسان ، لم يكن عليه الصلاة والسلام يلتفت إلى سراقة أبدًا ، حتى إذا كَبَتْ به فرسُه وأيقن أنه لا سبيل إلى أن يأسر محمدًا عليه الصلاة والسلام ، طلب منه الأمان ، هنا فقط التفت إليه النبي عليه الصلاة والسلام ، لا ليكلفه بمهمات ، ولا ولا ولا وإنما ليقول له هذه القولة المطمئنة التي تتحدث بلسان القدر الذي لا سبيل إلى رده: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري الكسرى بن هرمز ؟ عجيب ! إنسان مطلوب ليقتل ، ومع ذلك لا تهتز في جسده شعرة واحدة أمام الهول الهائل والخطر القريب ، ثم لا يكتفي بهذا ، وإنما يلتفت إلى هذا الذي جاء ليأسره وليبشره: كيف بك إذا لبست سواري الكسرى بن هرمز . في الوقت الذي كان كسرى ترتعد لذكر اسمه فرائص العرب جميعًا ، وأفضل العرب مقامًا وخيرهم دارًا هو ذلك الذي يحظى يومًا من الأيام بنظرة من كسرى .

بذلك لا يمكن أن يُتصوّر أن طلب نفيّ الحرج من القرآن موجه لشخص النبي عليه الصلاة والسلام ، بل موجه إلى الأمة اعتبارًا لما سوف يكون ، لكن كيف يكون هذا ؟ إن الإنسانية في طريقها الطويل شهدت أشياء كثيرة ، شهدت فلاسفة وشهدت مفكرين وشهدت مصلحين ، وشهدت ثورات وشهدت كل شيء ، لم يبقَ شيء لم يجرّب ، وما يُظن أنه إنتاج حديث وبدعة حديثة فغلط ، يكشف عن جهل القائلين بجملة التاريخ الحضاري لهذه البشرية المعذبة ، كل ما ترونه الآن موجود مثله في الماضي حذو النعل بالنعل ، لم يتغير شيء ، شهدت الإنسانية أشياء من هذا القبيل ، ومع ذلك رأيناها تتبخّر ، ورأيناها تذهب أدراج الرياح ، ولو ذهبت بهذا الشكل لذهبت مشيعة غير مأسوف عليها ، ولكنها ذهبت بأضاحي ملايين من الأنفس أزهقت من غير ذنب ، أنهار من الدماء جرت لا لسبب معقول ووجيه ، إمكانات أُهدرت ، لو وُظفت توظيفًا صحيحًا لكان الأداء الإنساني أكمل ، ولكانت الثمرة البشرية أنضج ، ولكان الناس اليوم في مستوى إنساني أرقى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت