نشوة الهزيمة
يوسف الحجيلان 21/2/1425
"نشوة النصر".. مصطلح ذاع وشاع, وعبارة لطالما غنت بها شفاه, وشنفت أسماع.
إن كأس النصر ثورت صاحبها حالة سيكولوجية؛ تجعله يجرُّ رداءه على هام الثريّا, متوشحًا هالة القمر, ومتمنطقًا بأفق الأرض, ولا غرو!
فغبار المعركة, وشلال الدم, وهرير الرجال, وألف ألف حساب؛ جعله في ساعة ما يحسب الأرض تميد تحت قدمه.
أما وقد اكتحلت عيناه بالنصر؛ فغول خمرته أعظم من أن تدفع!
ونشوة رشفته أقوى من أن ترد!
إن نشوة النصر دفعت أولي الأحلام, وعقلاء الرجال إلى أن يكتبوا نصرهم بدم العدو, ولو كان صديق الأمس!
لطالما حرقت نشوة النصر أرضًا!
وهتكت عرضًا!
واستباحت محرمًا!
واستحقرت معظمًا!
* لما دخل عبد الله بن علي دمشق؛ دعا بالغداء، وإن رجال بني أمية تحت البسط لهم أنين!!
ذاك هو السر الذي جعل محمدًا - صلى الله عليه وسلم- يدخل مكة فاتحًا, وإن رأسه لتمس الرحل تواضعًا لله!
فما بال نشوة الهزيمة إذًا؟!!
إنها -وباختصار شديد- حال من اللاّشعور أحيانًا, أو من المنطق المعكوس في أحيان أخرى؛ تجعل أعدادًا لا يستهان بها من المنظِّرين, أو المفكرين, أو الأنصار؛ ينظرون إلى واقع الحياة بعين سوداء؛ حَجب عنها بياضَ المستقبل, ولمعانَ الحق؛ يأس تبطّن في خوف تسلل من خلال قصور نظر, أو مزاجية في الطرح؛ غاب عنها الرأي الآخر؛ فركبت الخطأ بدافع السعي إلى إيقاظ الأمة من غفلتها!
هل تريد رصد أشد جراحات الأمة نزفًا, وأكثرها إيلاما؟!
هل تريد سماع صوت المعذبين, والمقهورين, والمشردين ؟!
هل تريد معرفة عدد المقتولين, والمعذبين, والبائسين ؟!
هل تريد النظر إلى أماكن البلاء, والدماء, والأشلاء ؟!
لستَ بحاجة إلى طبق, أو (رسيفر) فقط: جمعتان, وعيد, ومحاضرة: وإن كان لا بد فشريط.
إنها محطات من الإحباط في أحيان كثيرة؛ يخرج منها أبناء الأمة محبطي الهمم, مطأطئي الرؤوس، يجرون ثوب الأسى، تعرف في وجوههم الكآبة, وتقرأ في بياض شفاهم ما تكن صدورهم, من ألم وحرقة!!
تبدأ الخطبة بنذر حرب!
وتنتهي بحالة مأتم!
وما بينهما طعن وطعان وبكاء وآهات !!
لا يكذب من قال إن الجمعة والعيد اليوم, وفي حالات عدة أيام مناحة للمسلمين!!
تعدد فيها فاجعات؛ تجعل نهاية الخطبة والخلاص من حالة السرد هذه, وما يجللها من نشيج, وبكاء, وعويل في حالات كثيرة؛ هدفًا يرنو إليه الكثير من المصلين, الذين طالما حلموا -ولو مرة- أن يسمعوا ما يبسط أسارير, أو يشق ابتسامة, أو يزيل كآبة!
لكن!!
كيف السبيل؟
وقد قال صلاح الدين: لا أضحك, والقدس في يد الصليبين!!
أسألكم بربي!!
أيها أشد بلاءً ؟!!
اليوم؛ والتدين يجتاح معاقل الفسق, والإسلام يزلزل قلاع العلمنة, والحجاب يغزو بيوت التفسخ, واللحية, والثوب القصير, والسواك, وفوق هذا أمواج المصلين والحجاج, والمعتمرين, والدعاة, والمجاهدين؛ تتدفق كسيل تحدّر من علو!!
اليوم؛ والمعركة في بداياتها, وبوادر نصر تُكتب بقلم تفاؤل, مداده واقع إسلامي, لا تزال صحوته غضّة طريّة!!
وبرغم ذلك؛ فرضت نفسها رقمًا في حساب اللعبة؛ جعل أعتى قوى الشر, بل دفع بأحلاف الباطل إلى رصّ صفوفها للمواجهة!
وهل كانت ستفعل لولا ما تراه في الأفق من نذر حق؛ قد انعقد غمامه!!
أَم الأمس ؟!!
يوم الأحزاب, يوم بلغت القلوب الحناجر, وطوق الكفر دولة الإسلام, بحده وسنانه!
حتى قال قائل الصحابة: وإن أحدنا لا يأمن على بوله!
وسيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضرب الأرض بالمعول, فينقدح الشرر؛ فيقول: الله أكبر فتحت فارس والروم, والله لتنفقن كنوزهم في سبيل الله.
نعم!
ما عندنا من خير عند رسول الله وصحبه في يوم الخندق ما لا يماثله خيرنا ولا يجاريه!
لكن ما عندنا من بلاء لا يجاري بلاءهم, ولا يدانيه, وما نسمعه من الخطباء والوعاظ, و القصاصين من إحباط يتنافى مع ما قاله سيدي في موقف يمتّ إلى واقعنا بكذا سبب!
يطارد عليه السلام ؛ فيقول:"يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا".
يُقاتل وهو الأقل عددًا؛ فيقول: أبشر يا أبا بكر, ويقول: إني لأرى مصارع القوم!
لا يخبر بالمنافقين إلا واحدا, ويعلن عن أهل الجنة على أعواد المنابر ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
إن القادر على إبكاء الجموع أسى, هو الأقدر على تخريج العشرات من المحبطين والقاعدين!
وإن الأمة في حالة ترنّح بحسب ما يحيط بها من خطوب؛ تجعلها أحوج إلى حقن من المنشطات منها إلى إبر المثبطات!
لن تحتاج إلى جهد كي تسرد على شباب الإسلام قصص الأبطال في صد غارات الصليبين, والتتار, والاستعمار؛ بل لن تحتاج إلى كبير عناء كي تضع لهم في خطبتك خطة عمل لمشروع يجعلهم ينظرون إلى المستقبل باستشراف أكبر, وأمل أعظم!!
فالنفس البشرية جُبلت على التعامل مع الأمل بروح أكثر عنفوانًا منها مع الألم.
إن طرح المشكلة يجعل السامع يفكر بمشكلتين: الإحباط منها, والحل لما وراءها.