فهرس الكتاب

الصفحة 11301 من 27345

د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه (*) 17/7/1425

تقوم فلسفة الوسطيّة على فكرة عامة، ذات ثلاثة اتجاهات:

-اتجاهان طرفان، فقدا جميع الخصائص الإيجابيّة للفكرة، أو جلّها، وجمعا الخصائص السلبيّة منها.

-واتجاه وسط بينهما، أخذ جميع الخصائص الإيجابيّة للفكرة، وترك السلبيّة منها (1) .

ومنه يتضح أنّ الوسط والطرفين جميعًا يستظلاّن تحت فكرة واحدة، والفرق بينهما في المواقع:

-فالوسط اتخذ المكان الملائم، هو: المنتصف من كلّ الخطوط. واستظلّ بالفكرة من العمق، وقد مكّنه ذلك من رُؤية جميع الجهات والأطراف بوضوح تام واعتدال، وأتاح له التحكّم الأفضل، والاختيار الأحسن.

-وأمّا الطّرفان فاتخذا أمكنة بعيدة، عن الأحرف، فهما يستظلاّن الفكرة من أطرافها، وبذلك هما في خطر الخروج، والدخول في غيرها، كالذي بين الظل والشمس، وهو مقعد الشيطان (2) .

وما أشبه الوسطيّة بالواقف على لوح من الخشب المستطيل المنصوب فوق عجلة، فإنْ أراد التوازن فعليه التوجّه نحو الوسط، وأيّ خطأ في الحساب، في أيّ من الاتجاهين، ينتج فقدان التّوازن ومن ثم السّقوط.

والسائرون على الحبال، يحملون في أيديهم عصا طويلة، من وسطها، تعينهم على التوازن وعدم السقوط.

والخيام تُنصب على الأعمدة، وأهمّها العمود الوسط، المتميّز في: حجمه، وشكله، وطوله، ومكانه.

فالوسط في كل شيء هو نقطة التوازن والاعتدال، وبه يكون الثبوت، وبه يُجتنب السقوط.

ويُحكى أنّ نملة وقعت في حلقة ملتهبة، فكانت كلّما اتّجهت ناحية أخذها لهيب النار، فجعلت تختبر كل اتجاه، فحيثما شعرت بالحرارة وهي تتقدّم، تراجعت إلى الوراء، وإذا ما شعرت بالحرارة وهي تتأخّر تقدّمت، وما زالت كذلك من كلّ اتّجاه، حتى استقرّ بها المقام في أبرد نقطة، هي أبعدها عن حرارة اللّهب من كلّ اتجاه..كانت تلك هي نقطة الوسط.

تلك هي سنّة الله تعالى الكونيّة، فالوسط هو العدل، في كلّ شيء، والطّرف هو الجور، في كل شيء.

روى الترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا... ) [البقرة: من الآية143)، قال: (عدلا) .

ولله تعالى سنّة أخرى هي: السنّة الشرعيّة. (...أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ...) [الأعراف: من الآية54] ، وهي شريعته وأمره. أحكامها تجري وفق قانون الوسط، كما في السنة الكونيّة تمامًا، ففيها تحريض على تحرّي الوسط في كلّ شيء:

-قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (3) [البقرة:238]

-وفي أثر منقطع مرسل:"خير الأمور أوساطها".

وأبلغ من ذلك: جعل الوسط صفة الأمّة. في قوله تعالى:

-قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...) [البقرة: من الآية143] .

فالوسط نعت الأمّة الأعظم، وشعارها الأكبر، ولم يأت في النّصوص وسط بين من و من، بل أُطلق أنّ هذا الدّين وسط، وأهله وسط، فصار هو المقياس للاتّزان والتوازن، والارتكاز ونقطة الجمع، فكلّ ما خرج عنه فهو طرف، وبتعبير القرآن: (على حرف) ، وهذه قاعدة كليّة عامة.

فحين نزول الوحي إلى انقطاعه لم يكن ثمّة تطرّف مؤسّس في شكل فرقة أو مذهب، إلا أفرادًا لم يجدوا معينًا على الغلوّ، كالمتبتّلين، فتابوا واستقاموا، ثم لما ظهرت المِلل والمذاهب المتطرّفة، أي التي بعدت عن الوسط، صار أهل العلم والإيمان يقولون: أهل السّنة والجماعة وسط بين فرقة كذا وكذا، في القضيّة الفلانيّة.

فأعملوا قاعدة:"كل ما خرج عن نصوص الكتاب والسّنة فهو طرف". فحمَوْا روح الدّين وشريعته.

فلولا أنّ النصوص الشرعيّة تؤسّس للوسط، وتبني أمّة وسطًا، لما بقيت وسطيّة في الأمّة، بعدما ظهرت وانتشرت الفرق والمذاهب الجانحة، فكان من نعمة الله تعالى على هذه الأمّة أنْ جعل شريعتها وسطًا، وحفظ لها هذه الشريعة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] ، ليحفظ لها وسطيّتها، فلا تضيع بين المحدثات.

وفي كل زمان لا بد من جماعة وطائفة ملتزمة محافظة على هذا الأصل الكبير، ولن تزول أبداّ إلا عند قرب الساعة، قال صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من الأمّة على الحق ظاهرين". وتلك بشرى لجميع أهل الإسلام، بحفظ دينهم الوسط، كما هو دون تحريف، وبوجود طائفة تعمل به، وتعلو به ظاهرة على غيرها.

أسئلة حول الوسطيّة:

(1) قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ، كيف هي شهادة الأمّة على الناس، والنبيّ على الأمّة، وما علاقة الشهادة بالوسطيّة؟.

(2) أين الوسطيّة؟، ومن يمثلها، في هذا الواقع الإسلاميّ، حيث المسلمون متفرقون، كلّ يدعي أنّه الوسط والمقياس؟، وما علامة الوسطيّة؟، وهل في النصوص تحديد للعلامة، وتحديد لمن يمثل الوسطيّة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت