فهرس الكتاب

الصفحة 10972 من 27345

القرآن: مخيال جماعي أم وحي إلهي؟

د.إبراهيم عوض

الدكتور محمد أركون أستاذ جزائرى من أصل بربرى، وُلِد عام 1928م، وتعلم العربية وآدابها على يد المستشرقين في جامعة الجزائر التى أسسها الفرنسيون أيام احتلالهم لبلد"المليون شهيد"، ثم تابع دراساته العالية في فرنسا حيث حصل على الدكتورية، وانتهى به الأمر إلى تعيينه أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامى في جامعة السوربون في العاصمة الفرنسية. وكانت أول مرة أسمع فيها بالدكتور أركون في أواخر سبعينات القرن الماضى حين كنت أتمشى في بعض شوارع لندن عصر أحد الأيام الصيفية الجميلة، وفجأة وجدت مكتبة لبيع الكتب فدخلتها أسأل عما إذا كان لديهم ترجمات قرآنية، فتصادف أن وجدت ترجمة كازيميرسكى الفرنسية، وفيها مقدمة كتبها د.أركون. وكنت أرجع لتلك الترجمة بين الحين والحين، لكنى لم أعكف على دراستها كما عكفتُ على تلك التى قام بها سافارى أو مونتيه أو بلاشير أو بو بكر حمزة، ومن ثم لم تأت فرصة لقراءة المقدمة المذكورة. وفى الفترة الأخيرة تكررسماعى لاسم الرجل في بعض الكتابات العربية مقرونا في بعضها بالمدح الشديد، وفى بعضها الآخر بالذم الحاد، ولا أدرى بالضبط ما الذى دفعنى إلى الاهتمام به اهتماما خاصا حتى إنى فكرت أن أقرأ ما استطيع أن أُحَصِّله من كتبه وأكتب عنها إذا وجدت فيها ما يدفع لذلك. وقرأت فوجدت أن الرجل، رغم انتمائه إلى أسرةٍ وبلدٍ مسلمين، يعمل بكل جهده ووسعه للتشكيك في القرآن، وإن ادعى وأغرق في الادعاء أنه يريد دراسته دراسة علمية محايدة، فهو مثلا يسميه:"أساطير"، مما يذكِّرنا بالقرشيين، الذين كانوا كلما حَزَبَهم أمر هذا الكتاب ولم يستطيعوا أن يقفوا في طريقه أو يردّوا على حُجَجه أو يأتوا بمثله حسبما تحداهم أكثر من مرة صاحوا قائلين:"أساطير الأولين" (الأنعام/ 25، والنحل/ 24، والمؤمنون/ 83، والفرقان/ 5، والنمل/ 68، والأحقاف/ 15، والقلم/ 15، والمطففين/ 13) . يقصدون بذلك أن القرآن الذى نزّله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ليس إلا قصصا نقلها النبى عما خلَّفه السابقون وراءهم من قَصَص مسطور. يريدون أن يقولوا إن القرآن ليس وحيا إلهيا بل إنتاجًا بشريًّا، وإن محمدا ليس هو مؤلفه، إنما هو مجرد مردِّد له.

ولهذا كان النضر بن الحارث يعمد إلى الأماكن التى يتردد عليها الرسول بغية دعوة المكيين إلى دينه، فإذا ما فرغ، عليه الصلاة والسلام، من تلاوة آيات الذكر الحكيم على جمهور الحاضرين شرع هذا الشيطان يقرأ عليهم من كتاب يتضمن قصص رستم وإسفنديار وملوك الفرس، زاعما أن قصصه أحسن من قصص محمد حسبما ورد في التفاسير وكتب أسباب النزول . فـ"الأساطير"هنا معناها الكلام المسطور، أى المكتوب. وفى"لسان العرب"و"تاج العروس"على سبيل المثال أن"الأساطير"جَمْع"سطر"أو جمع"أسطار"، الذى هو بدوره جمع لـ"سطر"، وإن كان هناك من يقول إنها جمع"أسطورة"، ومن يقول إنه جمع لا واحد له من لفظه. وقد ذكر بعض اللغويين أنها"الأباطيل"كما جاء فى"الصحاح"و"لسان العرب"أو"الأباطيل أو الأحاديث التى لا نظام لها"حسبما ورد فى"تاج العروس"، وإن لم يكن هذا شرطا في رأيى، فهو ليس من أصل المادة، بل مجرد إسقاط لموقف الكفار، الذين كانوا يتعنتون على النبى الكريم ويعملون جهد طاقتهم على تكذيبه صلى الله عليه وسلم، على كلمة"أساطير"، لأن المادة التى اشتُقَّت منها هذه الكلمة ليس فيها معنى البطلان، بل هى مادة"السطر والتسطير"أى الكتابة لا غير. وكان ابن عباس يتأولها بهذا التأويل على ما ورد في تفسير الطبرى للآية 25 من سورة"الأنعام"والآية 24 من سورة"النحل"مثلا. ولو كانت تعنى"البطلان"لقد كان النضر إذن يكذّب نفسه أيضا حينما كان يأتى بقصص رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ويقرؤها على الجمهور ليصرفهم عن آيات القرآن التى كان يتلوها على مسامعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متصوَّر بطبيعة الحال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت