فهرس الكتاب

الصفحة 9561 من 27345

الفاتحة ثناءٌ ودُعاء

د. محمد عمر دولة*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولِنا الأمينِ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فلو أنَّ المسلمَ تَدبَّرَ معانِيَ سورةِ الفاتحةِ؛ لأدركَ عظمةَ حَمدِ الله عز وجلَّ وتمجيدِه والثناءِ عليه؛ فإنَّ سورةَ الفاتحةِ أعظمُ سُوَرِ القرآنِ الكريم، كما جاء في حديثِ أبي سعيد بن المُعَلَّى رضي الله عنه: (قلتُ: يا رسولَ الله إنك قلتَ: لأعلمنَّك أعظمَ سورة في القرآن، قال: نعم:(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السَّبعُ الْمَثانِي والقرآنُ العَظيمُ الذي أُوتِيتُه)! [1]

وقد قَرَّرَ العلماءُ أنَّ"هذه السورةَ اشتملَتْ على أُمَّهاتِ المطالبِ العاليةِ أتَمَّ اشتِمالٍ وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ"، [2] وأنَّ"هذه السورة على إيجازها, قد احتوَتْ على ما لَم تَحْتَوِ عليه سورةٌ من سُوَرِ القرآن". [3] وأنَّ"في الفاتحة ما ليس في غيرِها؛ حتى قيل: إنَّ جميعَ القرآنِ فيها"؛ [4] ولذلك أكَّدُوا أنَّ"مَن تحققَ بمعاني الفاتحة عِلمًا ومعرفةً وعَملًا وحالًا؛ فقد فاز مِن كَمالِه بأوفَرِ نَصِيبٍ، وصارتْ عُبوديَّتُه عُبوديةَ الخاصَّة الذين ارتفعَتْ درجتُهم عن عوامِّ المتعبِّدين". [5]

1)فليس الحمدُ قاصِرًا على تسمِيةِ الفاتحة بسورة (الحمد) ؛ بل الحمدُ يكتنفُ السورةَ كلَّها مِن مَطلَعِها إلى خِتامِها؛ ويمثل مع الدعاء مِحْوَرَين مُتكامِلَين للسورةِ؛ ولذلك ذكر النووي رحمه الله أنها سُمِّيَتْ:"سورة الحمد؛ لأنَّ فيها الحمد". [6] فقد اختصَّ الحمدُ والثناءُ والتمجيدُ بالنصف الأولِ من السورة، وكان ذلك تمهيدًا للنصفِ الآخر؛ وهو الدعاء.

فـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ) [7] تَعنِي افتِقارَ العَبدِ إلى رحمةِ الله عزَّ وجلَّ، ولله دَرُّ الرازي رحمه الله حيث قال:"إنَّ قولَه: (بسم الله الرحمن الرحيم) يتعلَّقُ بِفِعلٍ لا بُدَّ مِن إضْمارِه. والتقديرُ: بإعانةِ اسمِ اللهِ اشْرَعُوا في الطاعات ـ أو ما يجري مجرى هذا المُضْمَر ـ ولا شك أن استماعَ هذه الكلمة يُنبِّه العقلَ على أنه لا حولَ عن معصيةِ اللهِ إلا بعِصْمةِ الله، ولا قوةَ على طاعةِ الله إلا بتوفيقِ الله. ويُنبِّه العقلَ على أنه لا يتمُّ شيءٌ مِن الخيراتِ والبركاتِ إلا إذا وقعَ فيه الابتداءُ بذِكرِ اللهِ. ومِن المعلومِ أنَّ المقصودَ من جميعِ العباداتِ والطاعاتِ حُصُولُ هذه المعاني في العُقول؛ فإذا كان له هذه الكلمة يُفيدُ هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية؛ دخل هذا القائلُ تحت قولِه: (كنتم خيرَ أُمةٍ أُخرِجَتْ للناسِ تأمُرون بالمعروفِ وتنهَوْنَ عن المُنكَرِ) ؛ لأن هذا القائلَ بسبب إظهارِ هذه الكلمةِ أمر بما هو أحسن أنواعِ الأمرِ بالمعروفِ، وهو الرُّجوعُ إلى الله بالكُلِّيَّةِ والاستعانةِ به في كلِّ الخيرات". [8]

ورَحِمَ الله ابن عبد الوهاب حيث قال:"أما البَسمَلةُ فمَعناها: أدخُلُ في هذا الأمرِ مِن قِراءةٍ أو دُعاءٍ أو غيرِ ذلك (بسم الله) لا بِحَوْلِي ولا بِقُوَّتِي, بل أفعلُ هذا الأمرَ مُستَعِينًا بالله, ومُتبرِّكًا باسمِه تبارك وتعالى, هذا في كل أمرٍ تُسَمِّي في أوَّلِه مِن أمرِ الدِّينِ أو أمرِ الدنيا, فإذا أحْضَرتَ في نفسِك أنَّ دُخولَك في القراءةِ بالله مُستعينًا به, مُتبرِّئًا مِن الحولِ والقوةِ؛ كان هذا أكبرَ الأسبابِ في حُضُورِ القَلبِ, وطَردِ الموانِعِ مِن كلِّ خَير". [9]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت