القيم الخلقية أ.د. جعفر شيخ إدريس*
ربّما كان معيار القيم الخُلُقية أكثر المعايير دوَرانًا على ألسنة الناس في تقويمهم للأشخاص والتصرفات؛ فهم ما يزالون يحكمون على هذا بأنه سياسي كذاب، وذاك بأنه رجلُ دينٍ منافق، وعلى تلك بأنها امرأة شريفة، وعلى هؤلاء بأنهم موظفون أُمناء وهكذا...
فنحن لسنا ـ إذن ـ بحاجة لأن نقيم دليلًا على أن هذه القيم من المعايير التي يلجأ إليها العقلاء، أو سائر الناس في حال تقويمهم العقلي.
أما المسألة التي تحتاج إلى شيء من البيان بسبب ما أُثير حولها، ولا سيما في الفكر الغربي من شبهات، فهي مسألة علاقة القيم الخلقية بالأوامر والنواهي الإلهية.
زعم بعض المنتسبين إلى الأديان ـ حتى من المسلمين ـ أنّ قِيَم الصدق والأمانة والوفاء وسائر المكارم الخلقية إنما تُعرف بالدين ولا معنى لها قبل ورود الشرع، وزعم آخرون أن الإيمان وحده هو الذي يدفع الإنسان للالتزام بهذه القيم، وأن من لا إيمان له لا خُلُقَ له.
قال المعترضون: لكننا نعرف ـ بالحس والتجربة ـ أناسًا صادقين أو أُمناء مع أنه لا علاقة لهم بِدِينٍ.
بل زعم بعض الفلاسفة أن التزام المتدين بمكارم ـ كالصدق والأمانة ـ ليس التزامًا بمكارم خُلُقية، وإنما هو تصرُّف تاجر يريد أجرًا على فعله، وأن الملتزم بمكارمَ مثل هذه ـ باعتبارها مكارمَ خُلُقية ـ لا يفعل هذا رجاءَ ثواب أو خوفًا من عقاب، وإنما يفعله؛ لأنه عملٌ حَسَنٌ في نفسه.
فما وجه الحق في هذه المسائل؟ نقول:
أولًا: أما معرفة الناس بحسن أصول المكارم الخُلُقية ـ من صدق وأمانة وعدل ووفاء وغيرها قبل ورود الشرع بها أو أمره بها ـ فمسألة لا شك فيها، بل هي من لوازم الدين التي لا يعرف الناس حقيقة الدين إلا بها.
إذًا؛ لم يكن الناس قادرين على التمييز بين الصدق والكذب، أو بين حُسْن الأول وقُبح الثاني؛ فكيف يميزون إذن بين نبي صادق ومدّعٍ للنبوة كاذب؟ وكيف يميزون بين كلام الله وافتراءات الدجالين؟
إن الشكر هو لُبّ العبادة، وما أنواع العبادات من صلاة وصوم وحج وذِكْر إلا وسائل يعبر بها العبد عن شكره لله تعالى؛ فإذا لم يكن يعرف معنى الشكر ولا حُسْنه قبل ورود الشرع به؛ فكيف إذن يستجيب للدعوة إلى عبادة الله؟
قال ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .
فالدعوة إلى عبادة الله في هذه الآيات الكريمات وأمثالها دعوة إلى شكره على نعمه التي أنعم بها على الإنسان.
وكذلك الدعوة إلى القراءة باسمه ـ تعالى ـ في أول سورة طرقت أسماع العباد هي دعوة إلى شكره على نعمة الخَلْق ونعمة العِلْم. وأن الذي لا يستجيب إلى هذه الدعوة فيشكر الله ـ تعالى ـ عليها هو الذي أصابه من الغرور ما جعله يعتقد أنه مستغنٍ عن الخالق سبحانه. قال ـ تعالى ـ:
{اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 1 - 7] .
ثانيًا: إذا كان الخطاب الشرعي مبنيًا على حقيقة أن الناس عارفون بحسن الصدق والأمانة والعدل والوفاء وغيرها؛ فمن الخطأ أن يُعرّف الإحسان بأنه ما أمر الله به، أو يُعرّف الشر بأنه ما نهى الله ـ تعالى ـ عنه. فرقٌ بين أن تقول: إن الله يأمر بالعدل، وأن تقول: إن العدل هو ما أمر الله به. فالعبارة الأولى تعني أن الإحسان كان إحسانًا قبل أن يأمر الله به، والشر كان شرًا قبل أن ينهى الله عنه. أما الثانية ـ إذا قصد بها تعريف الخير والشر ـ فإنها تعني أن ما أمر الله به لم يكن إحسانًا أو خيرًا قبل الأمر به، وما نهى عنه لم يكن شرًا قبل النهي عنه. لكن هذا تلزم عنه شنائع كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ قال كلامًا فحواه أن هذا القول يفرغ بعض الآيات من معانيها ويجعلها تحصيل حاصل. وذكر على ذلك مثلًا قوله ـ تعالى ـ: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .
فإذا قلت: إن العدل هو ما أمر الله به، كان معنى الآية: إن الله يأمر بما يأمر به. أما بالقول الثاني فيكون في الآية ثناء على الله ـ تعالى ـ أنه يأمر بالعدل الذي يعرف الناس أنه عدل وأنه شيء حسن. يتضح لك هذا في قوله ـ تعالى ـ: