فهرس الكتاب

الصفحة 24913 من 27345

منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة الشدائد (1 من 4)

أحمد زهران (@)

شدائد الحياة كثيرة، منها ما يصيب الإنسان في نفسه وبدنه، ومنها ما يصيبه في ماله وولده، ومنها ما يصيبه في أهله وزوجه..

وإلى ذلك كله أشار القرآن الكريم: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) (البقرة) .

وقوله: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور 186 (آل عمران) .

ولقد استبانت طبيعة الطريق للنبي صلى الله عليه وسلم من أول البعثة، حينما خاطبه ورقة بن نوفل قائلًا:".. يا ليتني فيها جذعًا.. ليتني أكون حيًا؛ إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجيَّ هُم؟ فيقول ورقة: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا" (1) .

ومن يومها واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جهالات قومه، وتعرض لأذاهم، وأصابه ما أصابه منهم من صَدٍّ وتكذيب وسخرية واستهزاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه، يقول:"لقد أخفتُ في الله (عز وجل) وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة، ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" (2) .

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي المدينة تحول الإيذاء من الأذى والشتم والسخرية والحصار والضرب إلى مواجهة عسكرية مسلحة، فكان ذلك بلاء في الأموال والأنفس على السواء.. بل كانت فترة رسالته صلى الله عليه وسلم كلها سلسلة متصلة من المحن والابتلاء.

والدعاة اليوم يتعرضون لما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من سجن واعتقال وتعذيب ومصادرة للأموال والممتلكات، وتنصت على الأحاديث والمكالمات، ومراقبة لكافة التحركات، وتعطيل للأعمال وتفتيش للبيوت، أضف إلى ذلك إثارة غبار الشبهات وظلم الاتهامات بالدعوة والدعاة.

وإذا كان الأمر كذلك، فلابد لنا من مراجعة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم كيف واجه هذه الشدائد، وكيف حوّلها واستخدمها لخدمة الدعوة بعد أن كانت موجّهة لمحاربتها؟

وفي النقاط التالية استعراض لأهم ملامح هذا المنهج النبوي الكريم:

أولًا التذكير بالأجر والثواب:

فرجاء مثوبة الله، وغفران الذنوب والخطايا من النعم التي ينعم الله بها على عباده المؤمنين، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء ثم الأمثل، فالأمثل، يُبتلى الرجل على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" (3) .

والمؤمن يوقن بأن ما ينزل به من مصائب ليس ضربات عجماء، ولا خبط عشواء، ولكنه وفق قدر معلوم، وقضاء مرسوم، وحكمة أزلية، فآمنوا بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير 22 (الحديد) .

كما يوقن المسلم بأْن هذه الشدائد دروس قيّمة ، وتجارب نافعة، تُنضج نفسه، وتُصقل إيمانه، وتُذهب صدأ قلبه، كما ورد في الأثر:"مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها".

وما أبلغ ما قاله الرافعي:"ما أشبه النكبة بالبيضة، تُحسب سجنًا لما فيها وهي تحوطه، وتُربيه وتُعينه على تمامه، وليس عليه إلا الصبر إلى مدة، والرضا إلى غاية، ثم تنفق البيضة، فيخرج خلق آخر.. وما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته: عمله أن يتكوّن فيها، وتمامه أن ينبثق شخصه الكامل فيخرج إلى عالمه الكامل.."

ومن مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية، ما عرفه أحد السلف حين قال:"ما أُصبت في دنياي بمصيبة إلا رأيت لله فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن في ديني، وأنها لم تكن أكبر منها، وأنني أرجو ثواب الله عليها."

وتلك نعم تُلابس كل مصيبة في دنيا الناس، جديرة أن تُشعر المؤمن بشعور الشكر لله، فضلًا عن الرضا بقضائه، والصبر على بلائه" (4) ."

ثانيًا الدعاء والتضرع إلى الله تعالى:

الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، وهو سلاح المؤمن.

وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن يطلبوا النصر والتمكين من رب العالمين، وبيَّن منزلة الدعاء بأنه هو العبادة، وأنه مخ العبادة، وحذر من التفريط أو التساهل في هذا الأمر، فقال:"من لم يسأل الله يغضب عليه" (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت