فهرس الكتاب

الصفحة 2640 من 27345

د. محمد بن سعود البشر 10/3/1426

المتأمل في موروثنا الفكري والثقافي والعلمي يجد ثراء يدعو للفخر والاعتزاز بما أنتجه العقل العربي المسلم في فروع المعرفة كافة، فلا يكاد فرع من فروع المعرفة أو العلوم يخلو من اسم عربي مسلم أبدع وتفوق وساهم في صناعة الحضارة الإنسانية الحقيقية، إن لم يكن له فضل السبق في وضع قواعد ومبادئ كثير من العلوم والمعارف التي قامت عليها الحضارة الغربية المعاصرة، وفي هذا السياق تبرز أسماء كثيرة من الأعلام العرب والمسلمين، مثل ابن سينا، وجابر بن حيان، وابن النفيس، وابن الهيثم، والرازي، وابن رشد، ولا تنتهي قائمة هؤلاء الأعلام حتى عصرنا هذا.. رغم كل ما تمر به أمتنا العربية والإسلامية من انكسارات وما تعيشه من ضعف وتقهقر.. تتضح شواهده على أصعدة كثيرة.

لكن.. كيف يكون لنا هذا الميراث الفكريّ الضخم، والذي لم ينقطع حتى الآن، ولا نصعد إلى مرتبة أعلى في ركب الحضارة وقائمة الأمم المتقدمة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال المنطقي تكمن في أننا لا نجيد إدارة أو توظيف ما تنتجه عقول أمتنا من فكر وعلم وإبداع، ونفتقد القدرة على التعامل بروح الفريق أو الاستفادة من تراكم المعارف والعلوم التي نبغ فيها أسلافنا، والدليل على هذا أن أرفف مكتباتنا ومراكز بحوثنا تزدحم بمئات بل آلاف الدراسات والأبحاث العلمية التي تقدم حلولًا لكثير من مشاكل مجتمعنا، ولا يستفاد منها لعدة أسباب:

أولها: إن أصحاب هذه الدراسات أرادوا بها الترقي أو الحصول على درجة علمية بدرجة أكبر من الإسهام في خدمة بلادهم، فغلب على إنتاجهم النظرية البحتة والتي تفتقد إلى الآليات العملية للاستفادة منه.

وثانيها: إن كثيرًا من مجتمعاتنا تتوهم أن الفكر غاية في ذاته، وليس وسيلة لصناعة التطوّر والتقدّم، وعلاج قضايا المجتمع، لذا نجد أن الاحتفاء بالفكر والمفكرين لا يصل أبدًا إلى دعم منتجهم الفكري ليصبح اختراعًا علميًا أو عملًا إبداعيًا، أو فكريًا أو مشروعًا اقتصاديًا يستفيد منه أبناء الأمة.. هذا إذا لم يُمارس على الفكر والمفكرين نوعٌ من الوصاية المقيّدة للحرية في إعمال العقل. كما هو حادث في كثير من البلدان العربية والإسلامية، وهي الوصاية والقيود التي دفعت بالعقول العربية المفكرة إلى الفرار للخارج بحثًا عن مناخ أفضل، ويُضاف لذلك أننا نفتقد لمؤسسات إدارة الفكر التي تمتلك القدرة على الاستفادة من المنتج الفكري على الرغم من الاهتمام الملحوظ بعلوم الإدارة أو الفكر الإداري في كثير من بلادنا في الآونة الأخيرة.. وغياب مثل هذه المؤسسات يجعل من المنتج الفكري مجرّد بضاعة تعاني الكساد.

إن إدارة الفكر وتوظيفه لخدمة المجتمع تفوق كثيرًا قدرة المفكر أو العالم أو الباحث الفرديّة مهما اجتهد في ذلك، وهو الأمر الذي تنبه إليه الغرب، فأنشأ المؤسّسات التي تتولى هذه المسؤولية، والتي يجتمع فيها العلماء في تخصّص ما، أو الباحثون المهتمون بمجال بعينه، فظهرت جمعيات أو هيئات شديدة التخصص في مجالات المعرفة المختلفة، ومن خلال دعم الدول لهذه الكيانات، سواء بالدعم المباشر من قبل الحكومات، أو ما تقدمه لها مؤسسات القطاع الخاص، من دعم وتمويل مقابل الاستفادة مما تنتجه عقول أعضائها من أفكار واختراعات وإبداعات.

أما في بلادنا، فإن هذه الكيانات - إن وجدت- فإنها تعاني من ضعف مصادر التمويل، وجهل كثير من مؤسسات القطاع الخاص، بل والحكومي بأهمية دورها، لذا ظلت هذه الكيانات مجرد مكاتب، وتحوّل المفكر داخلها إلى مجرد موظف يمارس أعمالًا بينها وبين الواقع مسافات شاسعة.. ليتراجع الفكر والمفكر إلى هامش المجتمع بدلًا من أن يكون في الطليعة قائدًا في اتجاه النهضة والتقدم.

وخلاصة القول: إنه إذا أردنا أن يقود الفكر الحراك الاجتماعي ويوجهه الوجهة الأمثل، فلا بد أن نتجاوز العشوائية في إدارة المنتج العقلي، وأن نعلم أنه إذا كانت الإدارة هي رأس الحربة وحجر الزاوية لنجاح أي عمل، فإن إدارة الفكر هي محرك القاطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت