بثّت شبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية، مساء 28/4 صورًا لجنود أميركيين يعذِّبون معتقلين مسلمين في سجن «أبو غريب» بطريقة لا يتصور أن فاعلها من البشر: كومة من المعتقلين عرايا فوق بعضهم، رجل مغطى رأسه وجسمه، وأوصلت أسلاك كهربائية إلى يديه، وتم إبلاغه أنه إذا سقط من أعلى صندوق يقف عليه فسيصعق بالكهرباء. سجناء ربطوا بالأسلاك من أعضائهم التناسلية، كلاب يهاجمون سجناء... شريط فيديو يحوي أكثر من ألف صورة، قال عنها رامسفيلد إنه من غير المناسب عرضها؛ لأنها بالغة الإساءة... وكشف تقرير سري للجنة الدولية للصليب الأحمر تفاصيل بعدد أنواع التعذيب التي تعرّض لها السجناء، وأكد هذا التقرير أن 90% من السجناء اعتقلوا خطأ في عمليات دهم وحشية، بالغة العنف.
أما مسؤولة السجن الضابط جانيس كاربينسكي، فقد ذكرت أن قسم التعذيب في السجن كان يخضع للإشراف المباشر لضباط الاستخبارات العسكرية، وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن وزارة الدفاع الأميركية كانت قد وافقت سلفًا على لائحة تتضمن 20 وسيلة لاستجواب المعتقلين، وأن هناك تعليمات رسمية تسمح للمحققين باستخدام أساليب تهدف إلى إرهاق المعتقلين جسديًا ونفسيًا قبل إخضاعهم للاستجواب، ما يعني أن ممارسات التعذيب كانت منهجية ومدروسة، وموافقًا عليها من كبار المسؤولين في البنتاغون، وليست فردية أو استثنائية. وفي هذا الصدد، أكدت صحيفة «واشنطن بوست» أن استخدام كل هذه الأساليب يستوجب الحصول على إذن من كبار المسؤولين في البنتاغون، وأنه يتعين على المحققين أن يثبتوا أن هذه المعاملة القاسية أملتها الضرورة العسكرية، وأن يرفقوها بـ «مراقبة طبية ملائمة» .
إن عمليات التعذيب هذه بدأت تتكشف فصولها المأساوية منذ أشهر، وقد ظهر من التحقيقات أن المسؤولين السياسيين والعسكريين، كانوا على علم بتفاصيلها، ولم يكونوا يكترثون بمآسيها، حتى تناولها الإعلام، وصارت تشكل فضيحة لا تطال أولئك الذين يحكمون في البيت الأبيض وَحْدَهم، وإنما أميركا كلها؛ لذلك انبرى الكونغرس إلى التحقيق، لا لمعرفة الحقيقة الضائعة، وإنما لتجميل ما يمكن تجميله من تلك الصورة البشعة التي تسقط أميركا حضاريًا، وتسقط مصداقيتها، ولإظهار أن مثل هذه التصرفات غريبة عن القيم الأميركية، ومن المتوقع أن تنتهي مسرحية الجلسات بكبش فداء لتتخلص من العار الذي وصمت به.
إن هذه الممارسات تدين أميركا وتهينها أكثر من غيرها، وتبين زيف حضارتها... إنها تظهر الوحش الأميركي على حقيقته. إن أميركا دولة متوحشة قامت على المجازر والمذابح والتطهير العرقي والإبادة، وتاريخها منذ بدايته حتى اليوم لا يخفى على أحد، وهو أكبر شاهد على طبيعتها الإجرامية، وليس لدى حكامها وسياسييها أي قيم أو مُثُل، دأبهم السيطرة على العالم كله، والتفرد باستعماره، والتفرد بنهب خيراته، لقد أصبح العالم غابة يحكمها الوحش الأميركي، وعلى جانبه بعض الوحوش التي تخضع لتحكمه، وتنتظر فُتاته... والمسلمون دائمًا هم الضحية.
تجاه ما حدث لم يحرك حكام المسلمين المجرمون ساكنًا ضد أميركا؛ لأنهم مدانون أكثر منها، ولأن سجونهم ملأى بالمسلمين، وعمليات التعذيب لهم قائمة ليل نهار، وخوفًا من أن يفتحوا الباب على أنفسهم. ومن سخريات ما جرى، أن بوش اعتذر لملك الأردن عما جرى... وشهد شاهد من أهله.
أما المسلمون فقد أصيبوا في الصميم، وتأثروا، وغضبوا، وبكوا... ولكن ذلك كله لن يغير واقعًا فحساب المسلمين آخرهم عند أميركا. بل إنهم ليسوا بحساب أحد، فمن هم بحساب أنفسهم؟ وماذا منتظرون؟! لقد تداعت عليهم الأمم، وأحيطوا بالظالمين من كل مكان، وكل يوم يمر عليهم يحمل لهم مأساة، هل ينتظرون الفرج والمخرج من الله هكذا من غير عمل؟! إنه لا مخرج لهم إلا بالتقوى، وتقوى الله تفرض عليهم أن يستعينوا به ويعملوا على تغيير هذه الأنظمة الفاسدة، العميلة، المأجورة، وإقامة حكم الله، وجعل كلمة الله هي العليا.
إن عدم تحرك المسلمين وسكوتهم عما يجري لهم، يطمع بهم حكامهم وأعداءهم... إن عليهم أن يرفعوا الخوف من قلوبهم من حكامهم، كما هو مرفوع من أعدائهم وأن يعبروا بأقسى التعابير ضدهم، وأن يقوموا بأعمال جدية تجعل الآخرين يحسبون ألف حساب، وأن يدفعوا أبناءهم من أهل القوة لكي يأخذوا على أيدي الحكام الظالمين الذين يحكمون المسلمين بالكفر، ويمكّنون لأميركا ويهود ولدول الغرب في بلادهم، ويمنعون المسلمين من أن يأخذوا دورهم في الحياة... إن من طريقة تنفيذ فروض الكفايات، أن يدفع من لا يستطيع تحقيق الفرض بأنفسهم أي المسلمين، أن يدفعوا الذين يستطيعون من أهل القوة؛ لذلك كان على المسلمين أن لا يتركوا فردًا من أبنائهم أو معارفهم إلا ويحثّونه على القيام بحق الله عليه في إزالة هذه الأنظمة، وإقامة حكم الإسلام بتسليمه لمن يستطيع الحكم به، للفئة المخلصة الواعية التي نذرت نفسها لهذا الأمر.