دور العلماء في النهضة محمد أبو بكرالرحمنو*
إن العلماء قوم أفرغوا جهدهم في تحصيل العلم من مظانه فنالوا منه حظًا وافرًا. هم أهل العقل والنهى، وأهل الذكر ورياض الجنة. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ويكفي أنهم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا ولكن ورّثوا العلم. فأي مكانة رفيعة نالوها،وأي قدر عظيم استحقوه، وأي دور في نهضة الأمة جدير بهم أن يؤدوه.
إن دور العلماء في نهضة الأمة دور رئيس في التهيئة والتوجيه والقدوة والتقويم. وهل تنهض الأمة بغير علمائها؟ بغير كتاب هادٍ جمعته في الصدور، ووعته العقول، واطمأنت به القلوب، واستنارت به البصائر؟ بغير اتباع لسنن رضيه الرب الحكيم، فبعث به رسله مبشرين ومنذرين، وختمهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الهادي إلى صراط المستقيم؟.
إن نهضة الأمة تحتاج إلى كلمة مجتمعة، ومن غير العلماء الربانيين يجمع الكلمة؟ فإن أمة الإسلام ليس لها ما يوحدها من ، أو مصلحة دنيوية ، أو توجهات فكرية، إلا الدين، فإنه وعاؤها ووطاؤها ، وجلدتها ورباطها، وإن العلماء هم من يبينون أحكامه ، ويحكمون بمقتضاه، ويبسطون هديه وسلطانه، فإذا اجتهدوا في تبسيط الشرع بين أفراد الأمة، حتى تعلقت به قلوبهم ورضيت به عقولهم، فأبشروا بوحدة الكلمة التي هي أرضية النهضة وقاعدتها.
إن البناء يحتاج إلى عمود وأركان كيما يقوم مستويًا شديدًا، وكذلك النهضة تحتاج بعد تأسيس القاعدة التي هي اجتماع الكلمة إلى سلامة التوجه والوسائل. ومن غير العلماء يبين المسالك الصحيحة ويحكم على الوسائل بالصحة أو الفساد، ويبين علامات الطريق إلى الغايات، وفق إرادة الرب سبحانه الشرعية، فإنه سبحانه الذي يقول الحق ويهدي السبيل، كما قال عز من قائل: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) . فإنّ مَن عَلِم دين الله ورسالتَه، وهَدْيَ النبي صلى الله عليه وسلم وسنتَه، كان أجدر الناس بالهداية إلى سبيله، والدعوة إلى التمسك بحبله، وهي المفضية إلى سلامة التوجه وصحة الوسائل. فإذا اجتمعت كلمة الأمة حول المبادئ والمقاصد بالقلوب والأفكار، واتخذت الوسائل الصحيحة السليمة الخالية من أدران الجاهلية، المتنزهة عن اتباع سنن الأمم الضالة إلى الجحور الضبية، فقد وُضِعت الأمة الإسلامية على الطريق الصحيح، واتخذت السبيل القويم، إيذانًا بانطلاق النهضة الشاملة في جميع جوانب الحياة الدنيا، من غير نسيان ولا تفريط في الآخرة.
إن النهضة تحتاج إلى الإعداد النفسي كي تشتد على سوقها، وإلى النشاط العملي المبدع كي توطد أركانها. ومن غير العلماء يبعث الهمم، ويلهب المشاعر، ويثير الحماس، ويلهب النشاط نحو تحقيق المقاصد: عملًا بغير كلل ، وسعيًاَ بغير ملل. فقد أوتوا من نور الكتاب والحكمة قبسًا، واتخذوا من جوامع كلم المصطفى صلى الله عليه وسلم نَفَساَ، واستعملوا أبدانهم في تحقيق الغايات ، حداة للركب وحرسًا. فإن هم أخلصوا لله في أعمالهم ، وسعوا في بعث همة الأمة بمقالهم، وحققوا المثال بأفعالهم، فبشرانا بنهضة فتية، وانطلاقة قوية، وعزة قريبة، ونصر عزيز.
إن النهضة إن قامت تحتاج إلى الحفظ والتقويم، حتى تستمر وتتجدد ، وتزدان وتتألق. ومن غير العلماء يحفظ توجهها ،ويحرس استقامتها ، ويبسط ظلها، ويحمي بيضتها، فشأن العلماء أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عامة الناس وخاصتهم، يردون المظالم ويحقرون الظالم، يبينون مواقع الخلل، ويمسكون بحجز الناس عن الزلل، فهم الذين يقومون على النهضة حرسًا، ويسهرون على بقائها عسسًا.