خالد بن سليمان العامر 7/6/1424
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد...
فإن دين الإسلام دين الوسطية والاعتدال في الأمور كلها، والوسطية هي اللفظ المقبول بين الإفراط والتفريط وبين الغلو والتقصير، والوسطية هي المقبولة بين الطرفين.
ولقد نهى الله عن الغلو في كتابه العزيز في قوله ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) ، ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل) .
الغلو هو مجاوزة الحد في القول والعمل والاعتقاد.
والتفريط هو عدم القيام بالواجب تهاونًا وكسلًا.
والحق هو الوسط؛ فلا مجاوزة للحد ولا تقصيرًا عن الواجب، وهو أن تفعل ما أراد الله على قدر الطاقة والإمكان، وتترك ما نهى الله على شكل الإجمال.
فالعلم على قدر الطاقة والاستطاعة، وأما الترك فهو على العزم"ما أمرتكم به فأتوا منها ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"فجعل الأمر مربوطًا بالاستطاعة لكون بعض الناس قد يعجز عن بعض العمل، لكنه عزم في النهي؛ فقال:"فاجتنبوه"لعلمه أن كل أحد يقدر أن يترك المحرمات.
والإنسان مطالب بأن يعمل على قدر طاقته ووسعه ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) ثم قال ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فالله - سبحانه- قد كلف الناس على قدر طاقتهم ووسعهم ولم يحملهم مالا يطيقون، فمن عمل بهذه الآية حق العمل؛ فقد قام بالتوسط، فهو يعمل بالدين بلا غلو ولا تقصير.
ويستدل البعض بهذه الآية عندما يلام على تقصيره في بعض الواجبات، وهو لم يعمل ما بوسعه؛ بل قصر عن الوسع والطاقة. والمعنى الصحيح أن الله قد كلفنا وسعنا وطاقتنا، فلا نطالب بما زاد عليها ولكن لا نقصر فيها.
والإسلام يدعو إلى التوسط في العبادة فلا يكلف الإنسان مالا يطيق، يقول عليه الصلاة والسلام"اكلفوا من الأعمال ما تطيقون"،"هلك المتنطعون"وفي نفس الوقت لا يتهاون في العبادة ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) ، (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا) .
إن تكليف النفس ما لا تطيق أمر مذموم، والتهاون في العبادات أمر مذموم أيضًا، والمطلوب الوسط، وفقدان التوسط في حياة المسلم يؤدي إلى الانقطاع عن الدين كله أو بعضه"إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"،"أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل"،"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق".
ومن حكمة الله تعالى أن جعلنا نقرأ في كل ركعة من الصلاة قوله -تعالى-: ( اهدنا الصراط المستقيم) الصراط المستقيم هو الدين كله، أو القرآن أو هو محمد عليه الصلاة والسلام، وهو في الحقيقة كل هذه؛ فلا تنافي بينها وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهم الوسط بين المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به؛ ويمثلهم اليهود، وبين من عبد الله على ضلالة وعمى؛ ويمثلهم النصارى، فالمستقيم هو الوسط بين هذين القسمين، يعبد الله على علم وبصيرة، والأمة الإسلامية أمة الوسط، ولقد وسمها الله بميسم الوسط؛ فقال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ) يقول القرطبي -رحمه الله-:"ولما كان التوسط مجانبًا للغلو والتقصير؛ كان محمودًا أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولم تقصر تقصير اليهود في أنبيائهم".أ.هـ
والوسط خير كله يقول ابن كثير -رحمه الله-:"والوسط ها هنا الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا -أي خيارها- وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسطًا في قومه -أي أشرافهم نسبًا- ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب".أ.هـ
أهل الإسلام الحق وسط في الإيمان بين الخوارج الذين كفّروا مرتكب الكبيرة، والمعتزلة الذين جعلوه بمنزلة بين المنزلتين، وبين أهل الإرجاء الذين قالوا"لا يضر مع الإيمان ذنب"فقالوا فيه يعني مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أو مؤمن ناقص الإيمان.
وسط أيضًا في باب الأسماء والصفات؛ فهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله -عليه الصلاة والسلام- بدون تشبيه ولا تمثيل، إثباتًا يليق بجلاله وعظمته، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه نبيه -عليه الصلاة والسلام -بدون تعطيل.
( إثباتًا بلا تمثيل؛ وتنزيهًا بلا تعطيل) .