الحلقة (17) الجمعة 14 ذي الحجة 1395هـ - 15/11/1975م
العلامة محمود مشّوح
بسم الله الرحمن الرحيم
ليس من السهل العودة إلى أفكار كثيرة وردت في سلسلة أحاديثنا الماضية فما إلى ذلك من سبيل في الوقت الحاضر وإنما نعود إلى الحديث اليوم مدفوعين بدافع ذاتي يفرض الوفاء والحب لهذه الوجوه التي أشعر بمنتهى التعاطف معها، ولقد كنت أمس أتردد في الحديث ولكني رأيت أن لا أخيب أمل أخي وصديقي وصفيي أبي محمود حفظه الله وفي آخر حديث اعتذرت إليكم ببعض العذر..
كان مما قلت إن العمل الذي أخذت نفسي به في المرحلة الأخيرة كان عملًا مرهقًا وشاقًا؛ وللأمانة فقد كنت أتصور الأمر سهلًا جدًا حتى إذا ما توغلنا بالبحث انفتحت أمامنا شعاب ما كانت تخطر لنا بالبال وتجسدت أمامنا قضايا كان الضباب يلفها بجلبابه الكثيف ومع ذلك فقد حملت النفس على ما لا تطيق من أجل أن يكون استعراض السور الأربعة الأولى في القرآن الكريم خاضعًا لأدق المناهج العلمية وأحسبني بفضل الله قد استفرغت طاقتي وأعطيت كل ما أستطيع أن أعطيه في هذا السبيل، لكن هذه مرحلة وهي أسهل المرحلتين قولًا واحدًا وبقي الشق الثاني من الوعد، وحين راودت نفسي على الحديث وجدتني أتهيب، الأرض بكر والموضوع غير مطروق والأمانة ثقيلة والكلمة ذات فعل وتأثير ومن بعد ومن قبل هناك المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ ذلك كله كان في البال حين قلت لكم كما تذكرون لا شك في آخر حديث لي إليكم إنني أرفض أن أعطي الرأي الفطير ومن أجل ذلك فأنا أمنح نفسي فرصة لا أدري تطول أم تقصر لكي أفكر ولكي أقول ما أقول عن علم وعن بينة وعن اقتناع هذا في الحق جانب من العذر ينبغي أن تعلموا كل شيء إزالة للعتب عند بعض الإخوة الذين يعتبون علي لانقطاعي عن الكلام بين الحين والآخر جانب آخر من العذر.
إن صحتي لا تطيق هذا المجهود وأقول ذلك بصدق ربما تصور بعضكم أن الكلام مهنة سهلة لكن لكم أن تثقوا تمامًا أن كل حرف كل كلمة تنتزع بضعة من جسمي، تستهلك من طاقتي الشيء الكثير، الكلام بالنسبة إلي أصعب من حمل الأثقال، وجانب آخر كذلك نقوله للإخوة الذين يعدون أنفسهم لخدمة الله ولخدمة الإسلام ليس حتمًا حين يكون الإنسان في طريق أن يظل في هذا الطريق حتى يموت.
كنا في زمان الشباب وفي إبان الحداثة. نتمتع بالتدفق وبالحماس ونستطيع أن نجتذب إلينا اهتمام الجماهير لأن مشاعر الجماهير مشاعر تتعشق هذا الاندفاع وهذا الحماس نحن الآن في الكهولة وعبر تجارب شاقة في هذا الميدان المخيف وعبر دراسات طويلة ومضنية ذهبت فورة الصبا وحدّة الشباب وشرّة الحداثة ولم يبق من ذلك كله إلا دفء العقل ونور العقل وهذا الشيء لا أتصور أنه يصلح للمنابر قد يصلح للكتابة وللأحاديث العابرة ولكن المنابر تحتاج دائمًا إلى ذلك الطراز الذي كناه قبل عدد من السنين، مع ذلك كله فوفاء لهذه الوجوه الطيبة نعود لنتحدث ولكم كنت أود أن ألتقط الخيط من حيث تركه أخي أبو محمود، لقد ترك قافلة الهجرة تأخذ طريقها بين مكة والمدينة، ولكني كذلك ترددت وسيمر معكم الآن سبب كاف لهذا التردد تذكرون أنني منذ عدة سنوات تحدثت عن الهجرة عددًا من الأحاديث ومن هذا المكان وحين أنظر اليوم أو أتذكر -لأنه ليس بين يدي شيء من هذه الأحاديث- حين أتذكر الأفكار التي كنت أطرحها لكم عن الهجرة أبتسم سخرية من نفسي لهذه البلاهة والسذاجة وقصر التفكير الذي كنت عليه قبل عدة سنوات تذكرون أنني عللت حادث الهجرة يومذاك قبل عدة سنوات بالتناقض المبدئي والذي لا يمكن حله بين الإسلام والجاهلية وظننت أنني اكتشفت اكتشافًا خطيرًا ومرة أخرى حين أتذكر هذا أسخر من نفسي ولكي يعرف الشباب كلهم معنى أمانة الفكر أقول إن السبب في سخريتي من نفسي أن ذلك الاكتشاف الكبير كان متأثرًا إلى أبعد مدى وكما يظهر لي الآن في ساحة الهدوء والتفكير المطمئن المتزن كنت متأثرًا بالجو الثقافي العام الذي يلف العالم افهموا يا شباب يا من تعدون أنفسكم إعدادًا ثقافيًا افهموا كيف تكون مزالق التفكير وكيف تكون أخطاره ولماذا نقف متهيبين ونشعر أننا نحمل أمانة الأجيال.
الناس في السنوات الماضية إلى الآن لا حديث لهم إلا التناقض والصراع والديالكتيك وما أشبه ذلك وبحكم دراساتي وتأثري بالجو العام وجدت أن الإسلام أيضًا يتناقض مع الجاهلية شبيهًا بتناقض الرأسمالية مع الماركسية وكما استخدم التناقض لتبرير حركة الماركسية في مواجهة المدارس الفكرية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها فكذلك يمكن لنا أن نستخدم ذات المنطق وذات المنهج لنبرر عدم إمكانية التعايش بين الإسلام وبين الجاهلية كنت إلى أمد قريب مطمئنًا إلى هذا الاكتشاف ولكن انظروا ما أسهل ما ينزلق الإنسان لنطرح على أنفسنا السؤال التالي هل التناقض بين الإسلام والجاهلية لم يتبلور إلا بعد ثلاثة عشر عامًا أم التناقض موجود منذ البداية؟