وقفة ورأي مع قصيدة كعب بن زهير"البردة"
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
لا أقصد هنا لأن أُحلّل قصيدة كعب بن زهير ـ رضي الله عنه ـ"بانت سعاد …."، في توبته ودخوله الإسلام ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا أقصد كذلك شرحها وتفسير أبياتها ومعاني ألفاظها . الذي أقصده هنا هو بيان رأي لي في مطلع القصيدة الذي دار الخلاف الواسع حوله في تاريخ الأدب والنقد ، وبيان رأي في محور القصيدة الرئيسة التي نعرضها .
ولقد نالت هذه القصيدة شهرة واسعة ، وتصدّى عدد كبير من علماء المسلمين لشرحها ، ومنهم من خمّسها وشطرها . ويذكر الدكتور محمود حسن زيني في تحقيقه لشرح أبي البركات ابن الأنباري لهذه القصيدة أن مكتبة"جلبي عبد الله أفندي"باستنابول تحتوي على شروح مخطوطة مجهولة لهذه القصيدة ، وأن هناك خمسة شروح لهذه القصيدة في مكتبة"لاله لي"باستنابول ، وتحتفظ مكتبة"أسعد أفندي"باستنابول بمجموعة هائلة من شروح لهذه القصيدة ، عدّد المحقق منها تسعة وثلاثين شرحاً مع ذكر أسماء الشارحين وتاريخ ذلك . ثم ذكر عدد المشطرين والمخمسين وأسماءَهم وتاريخ عملهم .
ولقد حقق الدكتور محمود أبو ناجي شرح هذه القصيدة لجمال الدين محمد ابن هشام الأنصاري ( 708-761هـ ) .
ولقد ذكر الدكتور محمد بن سعد بن حسين هذه القصيدة وذكر مناسبتها وبعض التعليقات حولها في كتابه"المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة". ولا بدّ أن نذكر مناسبة هذه القصيدة وقصّتها ، ليكون ذلك عوناً لنا على فهم القصيدة من ناحية ، وعلى بيان رأينا فيها من ناحية أخرى .
1-مناسبة القصيدة:
كان زهير بن أبي سلمى قد رأى في آخر حياته وهو نائم أن سبباً من السماء مُدَّ له ، وكان كلّما حاول الإمساك به قبض عنه . فلّما أصبح روى هذه الرؤيا لابنيه كعب وبجير ، ثمّ فسَّرها بأنه سيظهر نبيٌّ داعية لدين جديد ، وطلب من ولديه اتباعه ، فلّما ظهر الإسلام جاء"بجير"رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه ، وتأخّر كعب عن ذلك . ويقول أبو الفرج: خرج كعب وبجير ابنا زهير بن أبي سلمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا"أبرق العزّاف". فقال كعب لبجير: الحق الرجل ، وأنا مقيم هاهنا ، فانظر ما يقول لك . فقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسمع منه وأسلم . فلّما بلغ ذلك كعباً قال:
ألا أبلغا عنّي بُجيراً رسالة
فهل لك فيما قلتُ ويحك هل لكا
فبيّن لنا إن كنتَ لستَ بفاعل
على أيّ شيء غير ذلك دلّكا
على خُلُقٍ لم أُلفِ يوماً أباً له
عليه وما تُلفي عليه أباً لكا
فإن أنت لم تفعلْ فلستُ بآسفٍ
ولا قائلٍ إما عثرتَ: لعاً لكا
سقاك أبو بكر بكأسٍ رويّةٍ
وأنهلك المأمون منها وعلّكا
وتأتي هذه الأبيات بروايات مختلفة في المصادر المتعددة التي ترويها ، وأرسل كعب بهذه الأبيات إلى أخيه بجير ، فأبلغ بجير بها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله"وذلك عند انصرافه من الطائف .
وهذا هو حكم الله ورسوله ، ذلك لأنّ هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يصدر إلا عن كافر أعلن حربه على الله ورسوله ، وعلى رسالة الإسلام ، وكان الشعر آنذاك أهمّ وسائل الحرب والخصومة ، لشدّة أثر الشعر في نفوس العرب ، وبين لنا خطورة أمر الشعر في معركة الإسلام آنذاك ، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّ الله عز وجل أنزل في الشعراء ما أنزل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل" [ رواه أحمد ] (1)
نعم! هكذا كان الشعر في معركة الإسلام:"…. والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل". وسيظل للكلمة دورها الخطير في معركة الإسلام على مرِّ العصور . فكتب بجير إلى أخيه كعب أبياتاً منها:
من مبلغ كعباً فهل لك في التي
تلوم عليها باطلاً وهي أحزمُ
إلى الله لا العزّى ولا الّلات وحده
فتنجو إذا كان النجاء وتسلمُ
ثمّ كتب له:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمك ، وأنه قتل رجلاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وأن من بقي من الشعراء كابن الزّبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كلّ وجه ، وما أحسبك ناجياً . فإن كان إلى نفسك حاجة فطر إليه ، فإنه يقبل من أتاه تائباً ، ولا يطالبه بما تقدّم الإسلام".