في جامع بني أمية الكبير بدمشق، مساء الثلاثاء 26/رمضان/1425هـ،9/11/2004م.
الدكتور الشيخ علاء الدين زعتري
الحمد لله الذي هدى إلى الإحسان، وجعل كتابه دليلًا لأهل الإيمان، والصلاة والسلام على مَن زانه ربه بالقرآن، وحباه بليلة القدر في رمضان، وعلى آله سادة الأزمان، وصحبه
نجوم الأكوان، وعلى مَن تبعهم من أهل الحق والإتقان، وبعد:
فسلام من الله عليكم ورحمة من لدنه وبركات.
يقام هذا الاحتفال الكبير المبارك بليلةِ القدرِ التي أشرقت منها هويةُ هذه الأمة وأينعت حضارتُها،
لذا كانت ليلةً عظيمةَ الشأنِ رفيعةَ الشرفِ، والشريف والعظيم يرفع قَدْر مَن يلوذ به ويكون معه.
أيها المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها: إن للمناسبات الكريمة والأحداث العظيمة آثارًا بعيدة المدى؛ تسمو بالناس بقَدْر ما لها من قوة دافعة، وبقَدْرِ ما يقتربون منها، ويعرفون قَدْرَها.
وإنّ اللياليَ والأيام لَتكتسِب مِيزتها من الحدث الذي يقع فيها؛
وإننا في ليلةٍ مباركةٍ عظيمٌ نفعُها، كثيرٌ خيرُها؛ تُعَلِّمُنَا حركةَ الحياة، وتُرْشِدنا إلى وسائل الإحياء.
فرمضان زمان، وليلة القدر وعاء حوى رسالة، واستقبل أمانة، أدَّاها رسول الله e؛ ومطلوب منَّا متابعة هذه الأمانة؛ حفظًا وتبليغًا،
هذه الأمانة هي القرآن، قال تعالى:
]وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [ ([1] )
أي: شرف ومكانة، وعز وكرامة؛ لك يا محمد ـ اللهم صل وسلم عليه ـ ولقومك من بعدك.
وسوف تُسألون أيها العرب عن أمانة القرآن، وسوف تُسألون عن حمل رسالة الإسلام، ففي ذلك قَدْركم، قال تعالى:
]لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًَا فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ ([2] )
أي: فيه عزكم ومجدكم، فيه شرفكم وكرامتكم ومكانتكم بين الأمم.
فلنأخذِ القرآنَ بقوة؛ قوةِ الفهم والعقل، قوة الخُلُقِ والعمل.
والمطلوب من المسلمين أن يتعاملوا مع ليلة القدر بما فيها من معانٍ سامية، وقيمٍ راقية.
• فالقدر يعني فيما يعني: الموازنةَ والتقدير، والنية والتخطيط، لتحقيق الآمال والمقاصد، والوصول إلى المرامي والأهداف؛فماذا تريد أيها المؤمن من ربك؛ لنفسك وأسرتك ومجتمعك، لوطنك وأمتك،
فالبدءُ بالأعمال يمر عبر النية والتخطيط، وتقديرُ الأمورِ منوطٌ بمقاصدها، والعاقبة للمتقين.
وبعد النية والموازنة ومباشرة العمل وأدائه تأتي مرحلة المحاسبة والمراجعة، لوضع التقدير الصحيح.
• فليلة القدر تعني فيما تعني: إعطاءَ الدرجةِ والعلامةِ والتقدير؛ لأعمالك وأقوالك، وتصرفاتك وسلوكك؛ على أساسٍ من القرآن والسنة؛
لترى نتيجة عملك: أمن الناجحين الفائزين، أم من الخائبين الخاسرين؟!!.
فيا لسعادةِ مَن كانت نتيجةُ عمله نجاحًا وتشريفًا،
ومراجعةُ أمورِ دنياه تقدمًا وازدهارًا،
وتقديرُه الروحي رقيًا وفلاحًا.
• وبعد الموازنة والتقدير يأتي دور التشريف والوقار والتعظيم، والعزة والتمكين والتكريم؛
بعلوّ الدرجة ورفعة المنزلة عند الله؛
وذلك بمقدار ما تحمل في فكرك وعقلك وقلبك؛
فتَشَرَّف أخي المؤمن بالقرآن حملًا، وارفع قَدْرَك به عملًا.
• وإلى أولئك الذين فاتتهم هذه الحركة الانسيابية من الموازنة والتخطيط، والتقدير بالتشريف؛
فليلة القدر لا تفوتهم؛ إذ هي ليلة العزم والتأكيد:
فمَن عاش ليلة القدر بخشوع وصفاء، وطهر ونقاء؛ متوكلًا على خالق الأرض والسماء؛
فتح الله عليه، وألهمه رشده؛ وكانت ليلةُ قَدْره يومَ تعظيمِ ربه، وتوقيرِ دينه.
ألا وليُعلم أن ليلة القدر ليست ظاهرةً كونيةً تلمع، ولا شبحًا غامضًا في أرجاء السماء يُلمح، ولا رؤيةَ ملاكٍ في الفضاء يسبح.
ليلة القدر ليست مجرد نورًا في الظلام يسطع، ولا كنزًا ماليًا بالصدفة يُدْفَع.
ليلة القدر ليست كوكبًا دريًا في سماء الكون يوقد، ولا صورةً جميلة في مخيلة الذهن تظهر.
فهذه وأمثالها أوهام في فهم العبادة، وانحرافات في وعي الدين، وذلك حين يكون التطلع إلى شكل العبادة بعيدًا عن مضمونها، وحين يكون النظر إلى السطحيات لا إلى العمق والهدف، وعندها يُجَمَّد الدين عن الواقع ويُعزل، ويتحوّل إلى مجرد طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد.
ليست ليلة القدر كذلك؛ بل هي ليلة حصاد جهود أعمال أديتها على مدار العام؛ عبر سنوات عمرك، وأشهرِ سنتك وعامك، وأيام شهرك؛ لا للحظات أو سويعات، بل بأوقات مستديمات،
نعم، ليست ليلة القدر عبادةَ ساعاتٍ أو أيام، بل يكون ذلك دأبك على الدوام.
ويتحقق المراد: عندما يتحول كلُ مسلم إلى قرآنٍ بالحق ناطق، ولخير البشرية فاعل، ولنفع الخلق ساعٍ؛ بتلاوة القرآن حق تلاوته؛
ففعل: (تلا) لا يعني (قرأ) فقط، بل أصل معناه اللغوي: (تبع) ، قال تعالى:
]وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا [ ([3] )
أي: تبعها،
وأنتم يا أهل القرآن، ويا مَن أوتيتم الكتاب: اتَّبِعوا ما فيه واعملوا بأحكامه، وتخلقوا بأخلاقه، قال تعالى: