رئيسي:تربية:الثلاثاء 12 ربيع الآخر 1425هـ - 1يونيو 2004 م
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،،،
فإن الأمة تمر بأحوال غريبة، وأهوال عصيبة، فالخطوب تحيط بها، والأمم من كل مكان تتداعى عليها..وإن مما يلفت النظر في هذا الشأن: غفلة الأمة عن التوبة؛ فإذا تحدث متحدث عن التوبة تبادر إلى الذهن توبة الأفراد فحسب، أما توبة الأمة بعامة فقلَّ أن تخطر بالبال.
وهذا من الأخطاء في باب التوبة؛ ذلك أن سنته عز وجل في الأفراد، وفي مغفرته للتائبين هي هي سنته سبحانه في الأمم والشعوب.
فالأمة التي تعود إلى طريق الرشاد، وتَصْدُق في التوبة والإنابة إلى رب العباد؛ يفتح الله لها، ويرفع من شأنها، ويعيدها إلى عزتها، وينجيها من الخطوب التي تحيط بها؛ نتيجة الذنوب التي ارتكبتها، والمنكرات التي أشاعتها من شرك، وبدع، وحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة لأعداء الله، وخذلان لأوليائه، وتقصير في تبليغ دعوة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتركٍ للصلوات، ونحو ذلك مما هو مؤذن بالعقوبة، وحلول اللعنة كالربا والفسوق، والمجون، ونقص المكاييل وغير ذلك.
فإذا تابت إلى ربها؛ متعها الله بالحياة السعيدة، وجعل لها الصولة والدولة، ورزقها الأمن والأمان، ومكن لها في الأرض، قال تعالى:وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي
الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا... [55] } [سورة النور] .
مثال على توبة الأمة من القرآن:
وهو قوله تعالى:فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [98] }]سورة يونس[.
ومعنى الآية: أن قوم يونس عليه السلام لما أظلهم العذاب، وظنوا أنه قد دنا منهم، وأنهم قد فقدوا يونس قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله أربعين ليلة أي رفعوا أصواتهم بالتلبية والدعاء، فلما علم الله منهم صدق التوبة؛ كشف عنهم العذاب، وقال: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} . أي لم نعاجلهم بالعقوبة، فاستمتعوا بالحياة الدنيا إلى انتهاء أعمارهم.
فما أحوج أمتنا اليوم أن تعج إلى الله منيبة تائبة، ليرضى عنها، ويرفع عنها ما هي فيه من الذلة، والمهانة، والتبعية لأعدائها.
هذا ومما يجب على الأمة التوبة منه زيادة على ما مضى:
1-التوبة من الإسراف: فهو مؤذن بالهلاك؛ و ينبت في النفوس أخلاقًا مرذولة، ومنها:
أ- أنه يدعو إلى الجبن: لأنَّ شِدَّةَ تعلق النفوس بالزينة واللذائذ يقوِّي حرصها على الحياة، فتجتنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف، وذود عن الدين، والنفس، والمال، والعرض.
ب- أنه يسهل على النفوس ارتكاب الجور: لأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة.
ج- أنه يَذْهَبُ بالأمانة: لأن الغريق في الترف همُّه الوصولُ إلى زينة، أو لذة، أو مطعم، ونحوه، وكثيرًا ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي ائتُمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.
د- أنه يمسك الأيدي عن فعل الخير: فالترف أعظم قصدِه من جمع المال إنفاقه فيما يَلَذُّه من مأكول، أو يتزين به من ملبوس أو مفروش؛ لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث يبسط غيرهم يده؛ إسعادًا لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة والمكارم.
ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئةً أخرى هي: قطع صلة التعاطف والتوادد بين كثير من أفراد الأمة.
ولهذا تجد من الموسرين المترفين من ينفق الأموال الطائلة في سبيل لذَّاته وشياطينه، وإذا سئل بذل القليل في مشروع جليل أعرض ونأى بجانبه.
هـ- للإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة والدعوة إلى الحق: فمن اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسُه العيش الناعم يغلب عليه الحرص على هذا الحال؛ فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سببًا لفوات بعض النعيم.
ع- وللإسراف أثر في الصحة: فالمسرف لا يتمتع بالصحة التي يتمتع بها المقتصدون فيما يأكلون ويشربون.
غ- والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم: فمرتبة العبقرية لا تُدْرك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرفُ في الترف ضعيف العزيمة لا يثبت أمام المكاره والشدائد.