الحمد لله المتوحد بالعظمة والجلال وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والآل .. . وبعد
فهذا مبحث لطيف فيما يتعلق بالحلف واليمين والقسم ، وذلك لأن الأيمان من شعائر الله التي بها يعظّم جل وتعالى . والتي أمر الله تعالى بتعظيمها حق التعظيم .
أولًا: الإقسام بالله وما يتعلّق به .
• معنى ( الحلف ) .
قال في اللسان:
حلف: الحِلْفُ والحَلِفُ: القَسَمُ لغتان، حَلَفَ أَي أَقْسَم يَحْلِفُ حَلْفًا وحِلْفًا وحَلِفًا ومَحْلُوفًا .
والحَلِفُ: اليمين وأَصلُها العَقْدُ بالعَزْمِ والنية .
ويسمى الحلف"يمينًا"قال في القاموس:
واليَمينُ: القَسَمُ، مؤنَّثٌ لأَنَّهُمْ كانوا يَتَماسحونَ بأيْمانِهمْ، فيتحالفونَ .
-واليمين ( الحلف ) في الشرع: هو تأكيد الشيء بذكر معظّم بصيغة مخصوصة بالباء أو التاء أو الواو ( 1 )
أو: هي توكيد الأمر المحلوف عليه بذكر الله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته على وجه مخصوص، وتسمى الحلف أو القسم. واليمين فيها معنى التعظيم للمحلوف به .
• حروف القسم .
حروف القسم ثلاثة:
الواو: والله . .
الباء: بالله . .
التاء: تالله . .
الفرق بين هذه الأحرف:
-الباء: هي أعمّ هذه الحروف لأنها تدخل على الظاهر والمضمر ، وعلى اسم الله وغيره ويذكر معها فعل القسم ويحذف . فيذكر نحو:"وأقسموا بالله جهد أيمانهم".
ويحذف نحو قولك: بالله لأفعلن .
وتدخل على المضمر نحو قولك: الله عظيم أحلف به لأفعلن .
وتدخل على الظاهر كما في الآية .
وتدخل على غير لفظ الجلالة كقولك: بالسميع لأفعلنّ .
-الواو: لا يذكر معها فعل القسم ولا تدخل على الضمير ويحلف بها مع كل اسم .
-التاء: لا يُذكر معها فعل القسم ، وتختص بـ ( الله - رب ) فتقول: تالله ، تربّ ( 2 )
• أقسام الحالفين من جهة المقسم به .
لمّا كان اليمين فيه تعظيم وتشريف للمحلوف به انقسم المقسم به إلى قسمين من جهة الحالفين .
الأول: أن يكون المقسم هو الله .
فالله عز وجل له أن يقسم بـ:
-صفاته كما ورد في الحديث القدسي"وعزتي وجلالي" ( 3 )
-وله جل وتعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته .
في نحو:"والعصر . . والفجر . . والتين . . والليل . . والشمس . ."
-معنى القسم من الله .
القسم من الله ليس معناه طلب تصديق القارئ أو السامع .
إنما القسم من الله له معاني:
1-تعظيمه جل وتعالى ، لأن القسم بهذه المخلوقات تعظيمٌ لها ؛ ورفع شأنها متضمنٌ للثناء على الله بما تقتضيه من الدلالة على عظمته .
2 -توكيد جواب القسم .
3 -تعظيم المقسم به وتشريفه .
الثاني: أن يكون الحالف هو المخلوق .
والمخلوق لا يقسم إلا بالله جل وتعالى أو بأي اسم من أسمائه أو بصفة من صفاته ، ولا يجوز له أن يقسم بالمخلوق .
قال عليه الصلاة والسلام: (( ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ). ( 4 )
-حكم الحلف بغير الله .
الحلف بغير الله له حالات:
1 -شرك أكبر: إن اعتقد الحالف أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم .
2 -شرك أصغر: تعظيم المحلوف به من غير اعتقاد المساواة .
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ). ( 5 )
وقد حكى ابن تيمية رحمه الله إجماع الصحابة على ذلك ( 6 )
-شبهة:
جاء عند مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أفلح وأبيه إن صدق". . فهل هذا قسم بالآباء وحلف بغير الله ؟
الجواب: عن هذا من وجوه:
1 -أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة وأنها لم تثبت فلا يصح نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم لمناقضتها صريح التوحيد .
2 -أن هذه اللفظة تصحيف من الرواة إذ الأصل:"أفلح والله إن صدق"وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات ؛ و"أبيه"تشبه"الله"إذا حذفت النقاط .
3 -أن هذا مما يجري على الألسنة بغير قصد .
4 -أنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أبعد الناس عن الشرك فيكون من خصائصه لأن الناس لا يساوون النبي صلى الله عليه وسلم في إخلاص التوحيد .
5 -أن ذلك على حذف مضاف والتقدير:"أفلح ورب أبيه إن صدق".
6 -أن هذا منسوخ ، لأن من عادة العرب أنها كانت تحلف بآبائها ، وأن هذا اليمين كان جاريًا على ألسنتهم فتُركوا حتى استقر الإيمان في نفوسهم ثم نهوا عنه ؛ وكان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينسخ ، قال ابن عثيمين رحمه الله: وهذا أقرب الوجوه . ( 7 )
-شبهة أخرى: