فهرس الكتاب

الصفحة 8310 من 27345

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

عمير بن سعد أحد ولاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على"حمص"وقد مكث حولًا لا يأتي خبرُه عمرَ، فقال عمر لكاتبه:

"اكتب إلى عمير: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين".

وأخذ عمير جرابه فجعل فيه زاده وقصعته وعلق أداوته (1) وأخذ غزته (2) ، ثم أقبل يمشي من (حمص) حتى دخل (المدينة) . قال: فقدم وقد شحب لونه، واغبرّ وجهه، وطال شعره، فدخل على عمر وقال:

السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

فقال عمر: ما شأنك؟!

قال عمير: ما ترى من شأني: ألست تراني صحيح البدن، معي الدنيا أجرها بقرونها.

قال: وما معك؟

فظن عمر أنه جاء بمال -فقال:

معي جرابي أجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وأداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وغزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوًا إن اعترض، فو الله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي.

قال عمر: فجئت تمشي؟!

قال: نعم!

قال: أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟!

قال: ما فعلوا وما سألتهم ذلك.

قال عمر: فأين بعثتك؟ وأيَّ شيء صنعت؟

قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟!

قال عمر: سبحان الله!

فقال عمير: أما لولا أني أخشى أن أغمك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صلحاء أهلها، فوليتهم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به.

قال: فما جئتنا بشيء.

قال: لا.

قال عمر: جددوا لعمير عهدًا.

-واستأذن عميرٌ عمرَ للرجوع إلى منزله، وكان بينه وبين المدينة أميال فقال عمر حين انصرف عمير لأحد رجاله:

-انطلق إلى عمير بمائة دينار، فإن رأيت حاله شديدة فادفع إليه المال.

وانطلق الرجل فإذا هو بعمير جالس يغلي قميصه إلى جانب الحائط. فقال عمير:

-انزل رحمك الله!

فنزل، ثم سأله:

-من أين جئت؟

قال: من المدينة.

قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟

قال: صالحًا.

قال: فكيف تركت المسلمين؟

قال: صالحين. قال: أليس يقيم الحدود؟

قال: بلى.. ضرب ابنًا له أتى فاحشة، فمات من ضربه.

فقال عمير: اللهم أعن عمر، فأني لا أعلمه إلا شديدًا حبه لك.

ونزل الرجل ضيفًا على عمير ثلاثة أيام، وليس لهم إلا قرصة شعير، كانوا يخصونه بها ويطوون، حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير:

-إنك قد أجعتنا. فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل.

وأخرج الرجل رسول عمر إلى عمير حينذاك الدنانير، ودفعها إليه وقال:

-بعث بها إليك أمير المؤمنين، فاستعن بها.

فصاح عمير: لا حاجة لي فيها... ردها...

فقالت له امرأته: إن احتجت إليها، وإلا فضعها مواضعها.

فقال عمير: والله مالي شيء أجعلها فيه.

فشقت امرأته أسفل درعها، فأعطته خرقة، فجعلها فيها، ثم خرج، فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء.

* وحين كان عمير واليًا على (حمص) كتب عمر بن الخطاب إلى أهلها:

-اكتبوا لي فقراءكم.

فكتبوا إليه أسماء الفقراء وذكروا فيهم (عمير بن سعد) ، فلما قرأ عمر اسمه قال:

"من عمير بن سعد؟!"

فقالوا أميرنا!

فقال:"أو فقيرٌ هو؟!"

فقالوا: ليس أهل بيت أفقر منه!!...

فقال عمر: فأين عطاؤه؟

فقالوا: يخرجه كله لا يمسك منه شيئًا.

فوجَّهَ إليه عمر بمائة دينار، فأخرجها كلها إلى الفقراء، فقالت له امرأته:

"لو كنت حبست لنا منها دينارًا واحدًا!"

فقال:"لو ذكرتني فعلت".

* وكان عمر يصف عميرًا بأنه: نسيج وحده.

قال عمر يومًا لأصحابه:"ليتمنَّ كل رجل منكم أمنية"..

فقال رجل:"وددت يا أمير المؤمنين أن عندي مالًا، فأعتق لوجه الله كذا وكذا".

وقال آخر:"وددت يا أمير المؤمنين أن لي مالًا فأنفقه في سبيل الله".

وقال آخر:"وددت لو أن لي قوةً فأمتح بدلو زمزم لحجاج بيت الله".

فقال عمر:"وددت أن لي رجلًا مثل عمير بن سعد، أستعين به في أعمال المسلمين".

رضي الله عن عمير بن سعد وأرضاه.

* مجلة حضارة الإسلام -السنة 16-العدد 4-جمادى 1395 -حزيران 1975

(1) أداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء.

(2) الغزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح، في أسفلها زج كزج الرمح، يتوكأ عليها الشيخ الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت