فهرس الكتاب

الصفحة 27244 من 27345

د. يوسف محمد صديق*

قال تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) ،

قال ابن منظور: القُنُوط: اليأْس من الخير، وقيل: أَشدّ اليأْس من الشيء، وفي التنزيل قال: (ومن يَقْنُطُ من رحمة ربه إِلا الضالون ) ويقال: شر الناس الذين يُقَنِّطُون الناس من رحمة الله أَي يُؤْيِسُونهم، وقال أيضأ: اليَأْس: القُنوط، وقيل: اليَأْس نقيض الرجاء.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)

قال الجزري قوله تعالى: ( إِنَّ رَحْمَتِي تغلب غَضَبِي) هو إشارة إلى سعة الرحمة وشمولها الخلق، كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته للثواب والعقاب وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما الأخرى، وقال الطيبي أي لما خلق الخلق حكم حكما جازما ووعد وعدا لازما لا خلف فيه بأن رحمتي سبقت غضبي فإن المبالغ في حكمه إذا أراد إحكامه عقد عليه سجلا ).

سبحانه الغني المغني و في الصحيح ( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ وَقَالَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ) و العبد المسكين الفقير الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ جميل السجايا، يُصلح كبوته و يعتدل مع خالقه، و يسدد رميه، و يقارب، و يمضي نحو غرضه بهمة و روحٍ عالية ، مستظلاً برحمة الرحمن الرحيم غير المتناهية، و التي لا يبلغ كنه معرفتها أحد ، و المؤمن قد اختص بأنه طَمَاعَية مختار نحو الخلود في أعلى الجنان ـ و الله الرحيم قد أطْمَعَهُ بقوله: (ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) ـ متعطش للخلد، والثبات الدائم، والبقاء اللازم الذي لا ينقطع، مترنم بقول امرؤ القيس:

و أمة محمد مرحومة مبشرة بالبشير، ما ترك ثغرة للقنوط يتسرب عبرها إلى أفئدة و نفوس أتباعه و لما شَكَتِ الصحابة ما وجدته في نفوسها، عالج ذلك بإغلاق باب الشك و القنوط في رحمة الله بأبلغ عبارة وأصرحها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قلنا ما لنا يا رسول الله إذا كنا عندك كانت قلوبنا في الآخرة فإذا رجعنا ذهب، فقال لو كنتم تكونون إذا رجعتم كهيئتكم عندي لزارتكم الملائكة في بيوتكم ولصافحتكم بأكفها ولو كنتم لا تذنبون لجاء الله بخلق يذنبون فيغفر لهم قلت يا رسول الله أخبرنا عن الجنة ما بناؤها قال لبنة من ذهب ولبنة من فضة ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الورس والزعفران من يدخلها يخلد لا يموت وينعم لا يبؤس، لا تخرق ثيابهم ولا يبلى شبابهم)

و الكافر خِبٌّ لَئِيمٌ مختص بالقُنُوط، مرارة الإحباط ملازمة لحنجرته، ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ، و لو يعلم المرء ما يأتيه بعد الموت من الأهوال والشدائد ما أكل أكلة ولا شرب شربة إلا وهو يبكي، ويضرب على صدره حيرة ودهشا، قال الغزالي: ( فعلى العاقل التفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان من النعيم المقيم ) فالتفريج والتنفيس والترويح في التعلق بحبل الرجاء، و التذلل لرحمة الله.

و اليأس من روح الله، والقنوط من عفوه وكرمه، هو منهج الكافرين، لا يشبه سبيل المؤمنين، بل يجافي منهج الموحدين، وهو من الكبائر و القبائح: (الكبائر أربعة اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله والشرك بالله) و عن ابن عباس رضي الله عنه ( أن رجلا قال يا رسول الله: ما الكبائر؟ قال الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ) ، و عليه يعتبر القنوط نقض لعرى الشريعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت