طارق الحسين ـ إسلاميات
ما أكثر البدع حسب اعتقاد المغرمين بتبديع الناس، وفي نظرهم معظم قطاعات الصحوة لا تخلو من بدعة ضلالة.
فالسبحة بدعة، والأهازيج الإسلامية بدعة، وفقه الواقع بدعة، والدعاء غير المنصوص عليه بدعة، وقفاز المرأة بدعة، ورفع اليدين بعد الصلاة بالدعاء بدعة، وهناك ما لا نهاية له من هذا الهوس، إن هذه الظاهرة ولا شك تنطلق من مرض نفسي أو سقم عقلي.
ويزداد شعورنا هذا حين نجد مثل هذه المبتدعات منصوصاً عليها في أحاديث بعضها في الصحيحين،وبعضها في السنن وأقلها درجة لا ينزل عن رتبة الحسن أو يكون غير مجمع على ضعفه.
ومما يدعو إلى الاستغراب أن هؤلاء متيّمون بالدليل العدمي، فدليلهم على التبديع في أحيان أخرى هو عدم الدليل، فإذا قال لك عن فعل من الأفعال بدعة فقل له: ما الدليل ؟ فسيقول لك: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوه، فإذا حاججتهم بجمع القرآن ومضاعفة بعض الحدود وفتح الدواوين وصلاة التراويح، قالوا إنها سنة الخلفاء الراشدين وأمرنا باتباعها، فإذا قلت فما قولك في إنكار الصحابة لجمع القرآن في بداية الأمر؟ وإنكارهم على عمر في مسألة إبقاء أراضي الخراج عند أصحابها بدلاً عن توزيعها على الفاتحين والاستفادة من فيئها؟ وما قولك في إنكار الصحابة على عثمان إتمام الصلاة بمنى في الحج؟ هل كان الصحابة يجهلون قوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ؟ ولماذا وقف جمع من الصحابة ضد علي مع معاوية وهو الخليفة المبايع؟
فإن قال هذه اجتهادات لم يبدّعوا بعضهم بعضاً من أجلها، قلنا هذا ما نريد منك الآن، فإما أن تحكم بالبدعة على الصحابة والتابعين وإما أن تقرّ بجواز الاجتهاد في فهم مقاصد الدين، وما لم يرد فيه نص، وبجواز الاجتهاد في فهم مقاصد النصوص وأسرارها فيما فيه نص.
وما ذكرته الآن من حوار مفترض يجوز على المعتدلين منهم، أما الغلاة فإنهم يرون الأذان الأول يوم الجمعة بدعة لم ترد ولا يعترفون بأن الخلفاء الراشدين هم الأربعة بل يقولون لا يوجد دليل ينص على أسمائهم، ويرون المذاهب الأربعة مبتدعة ،كما قال أحدهم: «إن كل هذه المذاهب ضلالات والحق فيما قال الله وقال الرسول» . ومع الأسف فهم من المعروفين بالعلم والتدريس والتأليف، وكلمات أخرى يقولونها في أئمة الدين والمذاهب، تقشعرّ منها الجلود.
ويذكر الجميع كيف ظهر منذ مدة من يقول بأن وسائل الدعوة توقيفية، وأي وسيلة ليس عليها دليل فهي بدعة، ثم لما علموا تورّطهم في هذه المقولة، ورأوا استهزاء الناس بعقولهم خجلوا من أنفسهم.
والذين حرموا أتباع المذاهب الأربعة خاضوا في الأدلة بأنفسهم فغرقوا في بحار العلم ولما يخوضوا غمراته بعد .
ولقد كان أكثر الصحابة يتورّعون عن هذه الكلمة، ولا يطلقونها بالمعنى الدارج بيننا إلا في مواضع مخصوصة، والروايات التي تروى عنهم في هذا يجب أن تؤخذ بحذر من ناحية سندها أو من ناحية إقرار الصحابة الآخرين لها، لأن عدداً من الصحابة رأوا بدعة ما ليس ببدعة لعدم بلوغ الدليل إليهم فلما عرّفهم الصحابة بذلك رجعوا، أو من ناحية مخالفة النصوص فقد يقول الصحابي بقول يصل إلينا خلافه عن طريق صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا إذا صدر عن الصحابة، فما بالك فيما يصدر عن الأئمة والعلماء الذين جاءوا من بعدهم رضي الله عنهم.
فعندما يحكم أحد الأئمة ببدعة قول أو فعل فليس من الضروري أن يكون كلامه حقاً وصواباً فهناك عدد من الأئمة والرؤى والأقوال تتعدد في الأمر الواحد، أذكر أن بعض الأئمة والعلماء رحمهم الله في مواضع كثيرة من الفتاوى وغيرها يحكمون على أمر ببدعيته فيقولون لم يرد ذلك في السنة ولا ورد عن الصحابة وقد ورد في السنة وورد عن الصحابة في أكثر من دليل ومرة يقول أحدهم اتفق أهل العلم ولم يتفقوا، ومرة ينفي صحة شيء ويقرّه في مكان آخر ويقول به، ويحكم بالتحريم في شيء يحكم بحلّه في موضع آخر، وغيره مما يحدث من العلماء ممن يفوتهم دليل أو تخفى عليهم سنة، وهذا يدعونا إلى الحذر من الاندفاع في تبديع الخلق أو نفي الحق عنهم بأقوال لم تمرّ على التحقيق والتمحيص أو رجع عنها أصحابها.
وقد يذكّرنا ذلك بقصة الإمام البخاري حين قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» فطرد وأوذي وقد كان الحق معه والناس يرونه على بدعة مغلّظة إن القدح في عقائد الناس وقذفهم بالبدعية أشد عند الله من رميهم بالزنى والفواحش كلها، لأن البدعة عند الله أغلظ من كبائر الذنوب.
سوف أضع ضوابط لما ليس ببدعة لنخرج بتعريف عام لكل ما هو بدعة.
1-ما ورد فيه نص صحيح أو ضعيف .