المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، أشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين ، وأشهد أن محمدا صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه عبده ورسله إمام المتقين ، المبعوث رحمة للعالمين ، وبعد:
فقد تساوق مع التغيرات السياسية التي طرأت بعد حرب الخليج الثانية ، حماس مفاجئ للدعوة إلى إقحام المرأة الكويتية في الصراع السياسي ، وذلك بالسماح لها بالترشيح والانتخاب لمجلس الأمة .
ومن المعلوم أن إقحام المرأة الكويتية في هذه الساحة ، سيؤدي لا محالة إلى الزج بالحالة العامة للمرأة في الصراع السياسي ، بكل تعقيداته وصراعه الحزبي والقبلي والطائفي والشخصي ، والتجاذب السياسي بين الحكومة والمعارضة من جهة وبين التيارات وبعضها من جهة أخرى .
وسوف يلقي ذلك كله بظلاله على كل ما يتعلق بمسؤولية المرأة في الأسرة الكويتية التي تعاني اليوم من مظاهر التفكك وارتفاع نسبة الطلاق ، وسيؤدي ذلك على المدى البعيد إلى فساد كبير في النظام الاجتماعي الكويتي .
ومن هنا فإن عرض قضية منح المرأة حق الترشيح والانتخاب للمجلس النيابي ، على أنها مسألة خلافية في الشريعة الإسلامية ، عرضا مقطوعا عن الواقع الذي سيفرض نفسه بلا ريب ، وما سينسحب معه من مخالفات ومشكلات حظرتها الشريعة بصورة قطعية ، ضرب من السطحية في التفكير ، ينبغي أن يسمو عنها نظر المفتي الشرعي .
وهذه الرسالة المختصرة تتضمن الأدلة الشرعية على أن منح المرأة حق الترشيح والانتخاب كمادلت عليه النصوص بوضوح وحسم ، وعلى ضوء ما سيكون عليه الواقع الكويتي ـ لا كما يتخيله بعض المفتين بالجواز في مخيلتهم حيث يفرضون واقعا إسلاميا منضبطا بأحكام الشريعة تتنزل عليه هذه المسألة ـ هو أمر مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية ، ومقتض لحصول كثير من المضار الاجتماعية المحققة .
والله سبحانه أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، ويتقبلها منا إنه هو السميع العليم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين.
حامد بن عبدالله العلي
ربيع الأول من عام 1422هـ
أولا
الدليل الإجمالي على منع المرأة من تولي الولايات العامة في الشريعة
وحاصل هذا الدليل أن منح المرأة حق الترشيح والانتخاب ، ليست قضية فقهية فرعية ، عرضت على مجتمع يتمتع بصحة اجتماعية وفق تعاليم الإسلام ، ويعيش حالة استقرار في المفاهيم الإسلامية ، وفي أمن تام من غزو ثقافي ، بل هي جزئية مرتبطة بالصراع الدائر بين ثقافة غربية قائمة على منهج علماني ، لاديني له نظرته الخاصة عن المرأة والمجتمع بصورة عامة ، وهو يختلف جذريا عن المنهج الإسلامي ، ويحاول اقتحام المجتمعات العربية والخليجية بفرض مفاهيمه الخاصة بشتى الطرق ، بين هذه الثقافة الغربية بنظامها الاجتماعي ، والنظام الاجتماعي في الإسلام بنظرته المتميزة ذات المصدر الرباني للمرأة ومكانتها في المجتمع ، ولقيم الأسرة المسلمة .
ويستغل مؤيدو النظام العلماني والمؤمنون به في الكويت والخليج والوطن العربي والإسلامي ، قانون منح المرأة حق الترشيح والانتخاب لتعزيز ذلك المنهج العلماني بصورة عامة ، وتحويله إلى واقع قانوني واجتماعي مفروض.
الفرق بين النظام الاجتماعي الإسلامي والغربي العلماني:
ونقطة الخلاف الرئيسة بين النظامين ، والتي يمكن من خلالها تفسير الخلاف بين جميع الصور الفرعية التي يخالف فيها النظام الاجتماعي الإسلامي ، النظام الاجتماعي الغربي هي:
أن النظام الاجتماعي الإسلامي يقوم على المحافظة على الفاصل الوظيفي في المجتمع بين المرأة والرجل ، ذلك الفاصل الذي يعتمد على أن حقيقة الاختلاف الفطري والتكويني بين الرجل والمرأة ، حقيقة علمية مستقرة غير قابلة للجدل .
بينما يقول النظام الغربي على وهم المساواة المطلقة بينهما ، تلك المساواة المقتضية للخلط الوظيفي بينهما في المجتمع ، وقد أدت هذه النظرة إلى الغلو في فرض المساواة إلى درجة تصور إمكان إقامة الأسرة بين المرأتين والرجلين ، بل إلى تحوي هذا التصور إلى واقع قائم ومعترف به .
وقد أدى إيمان الغرب بهذا الوهم ـ وهم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ـ إلى أحداث تصور جديد ، حاصلة أن الجنس البشري ، لا ينقسم إلى ذكر وأنثى إلا باعتبار النسبية المجتمعية ، أي باعتبار الخيار الذي تفرضه ظروف المجتمع الذي يعيش فيه ، وإلا فإنه في الأصل شيء واحد بلا فرق له قيمة بين الذكر والأنثى ، وإنما يدفعه المجتمع المحيط به إلى الانحياز إلى الذكورة والأنوثة بالبقاء عليها .