فهرس الكتاب

الصفحة 5714 من 27345

عبد الله بن ناصر الصبيح 8/12/1426

لعل من العجب أن تنزل آيات كثيرات تتحدث عن التغيير، وتُروى أحاديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن التغيير ثم نجد غفلة كثيرين عن تناول هذا الموضوع. وقد سرني تناول الشيخ سلمان حفظه الله لهذا الموضوع.

الله سبحانه وتعالى تحدّث عن التغيير الاجتماعي في عدد من الآيات منها قوله: ( ...إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...) . [الرعد: من الآية11] .

وقال: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) . [غافر: من الآية51] .

وقال: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . [غافر:82] . وقال: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) . [الإسراء:16] . وقال: ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ...) [سبأ: من الآية15] ... إلى قوله: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ...) . [سبأ: من الآية19] .

ومن الأحاديث:

حديث المجدد:"إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها".

وأحاديث أخرى بعضها ترتب عقوبات محددة على بعض الأعمال كعقوبة منع الزكاة وعقوبة شيوع الفاحشة.

وبعض من تناول هذه النصوص تناولها من غير أن يستحضر التفاعل الاجتماعي؛ فقصر تناوله عن كثير من العوامل المرتبطة بالظاهرة أو حال التغيير التي تناولها النص، ولهذا كانت تلك الشروح غالبًا منفصلة عن الواقع الاجتماعي. ولعل أفضل من تناول التغيير من علمائنا ودرسه دراسة واسعة العلامة ابن خلدون -رحمه الله- في مقدمته، واستطاع بدراساته تلك أن يؤسس لعلم جديد هو علم العمران الذي عُرف فيما بعد بعلم الاجتماع.

والعلم بالتغيير ضروري للفقيه من أجل إنزال الحكم على الواقعة، ودارسو الفقه الأكثر فقهًا بالتغيير هم الأقوى ملكة فقهية والأقدر على الاجتهاد للنوازل. ولعل القارئ يلحظ أن الفقه تحوّل عند البعض إلى نصوص جامدة وقوالب ثابتة من غير اعتبار للمكان والزمان، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن دراسة أحوال المجتمع وما يمر به من تحوّلات، وهذه الدراسة هي ما نعنيه بدراسة التغيير الاجتماعي. وابن القيم -رحمه الله- كان واعيًا بذلك فنصّ في كتابه"إعلام الموقعين"على تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

والعلم بالتغيير ضروري للداعية والمصلح من أجل بناء المجتمع، فلا يصطدم مع الناس في دعوته، ولا يستبطئ الإصلاح واستقامة الناس على الحق.

دارسو التغيير الاجتماعي يفرقون بين أمرين: التغير الاجتماعي، والتغيير الاجتماعي. والتغير يتصف بالتلقائية، وهو سنة ثابتة في المجتمع، فما من مجتمع إلا و هو يتغير. مثلًا الأفراد يمرون بمراحل من أعمارهم فهم ينتقلون من ضعف إلى قوة، ثم إلى ضعف وشيبة كما أخبر الله سبحانه، وكذلك الدول تنتقل من حال ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف فتشيخ وتهرم. والأعمال الإدارية تنتقل من البساطة إلى البيروقراطية؛ إذ تكثر الضوابط والاحترازات، وتتعدد طبقات الهرم الإداري. أما التغيير فهو تغير اجتماعي مخطط له، أي أنه يتجاوز التلقائية في الحركة والعمل إلى القصد في التغيير وفقًا لخطة محددة.

ودراسات التغيير الاجتماعي مهما تنوّعت فهي تتناول قضية جوهرية، وهي التفاعل بين الطاقات البشرية، والإمكانات المادية، ومقدار المنجزات الناتجة عن هذا التفاعل. والحديث عن الطاقات البشرية هو حديث عن كيان معقد يمتزج فيه الجانب النفسي المتمثل في الإرادة والقيادة والفكر، والجانب الاجتماعي المتمثل في التنظيم وشبكة العلاقات الاجتماعية، والجانب الإداري ومعه التشريعات المنظمة للسلوك والحركة الاجتماعية. والجانب المادي هو كيان أيضًا يمتزج فيه ما هو متاح من المادة مع ما هو ممكن، وهذا يتفاعل بدوره مع مستوى التقنية.

وعلماء التغيير متفقون الآن على أن الأدوات ليست محايدة بل تحمل معها مضامين ثقافية وقيمًا تساهم في التغيير الاجتماعي، والأدوات كما هو معلوم صورة من صور المادة التي تتفاعل معها في إحداث الفعل الاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت