الفصل الثاني
رغداء محمّد أديب زيدان
العزّة في اللغة:
هي القوّة والشدّة والغلبة, والعزّ والعزّة هي الرفعة والإمتناع. وفي التنزيل العزيز جاء قوله سبحانه تعالى:"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (المنافقون: من الآية8) . ورجلٌ عزيزٌ: منيعٌ لا يُغلب ولا يُقهر. والعزّة: الشدّة والقوّة.
وقد عرّف القدماء العزّة بأنّها صفةٌ مانعةٌ للإنسان من أن يغلبه غيره.
وفي الإسلام هي: خلقٌ أراده الله للإنسان أن ينغرس في نفس المسلم, وأن يتّصف به المؤمنون. قال سبحانه تعالى:"وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران:139) وقال أيضًا عزّ وجلّ واصفًا المسلمين:"أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ" (المائدة: من الآية54) .
منهج الإسلام في غرس العزّة في نفس المسلم:
كان للإسلام منهجٌ واضحٌ في غرس العزّة عند المسلم, هذا المنهج يتمثّل بعدّة نقاطٍ, أهمّها:
1 ـ جاءت عقيدة التوحيد لتخلّص الإنسان من عبادة غير الله:
ولتسمو روح العزّة في نفسه, فلا خضوع إلاّ لله, ولا رجاء إلاّ بالله, ولا استعانة إلاّ بالله, فهو الخالق, والله الرازق, وهو الشافي والمعافي وهو المنتّقم الجبّار:"الّذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالّذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالّذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" (الشعراء:78 , 82)
فالله وحده, لا شيء غيره, يخضع له المسلم, فيتخلّص بذلك من ذلّ الإنقياد لأيّ إنسانٍ أومخلوقٍ آخر, أو قوّة طبيعيّة أو صنعيّة, أو حجرٍ أو شجرٍ, أو أيّ شيء آخر غيره سبحانه, ويتخلّص من ضعة الإتبّاع, وضعف الطلب وذلّه, فاستقرار"العقيدة الربّانيّة في أعماق النفس الإنسانيّة, يجعلها تتحرر من الخوف والجبن, بل يجعلها عزيزةً كريمةً"
فلا تذلّ لأحد"."
2 ـ والله استخلف الإنسان في الأرض:
و خلقه في أحسن تقويم, و سخّر له الكون كلّه, و ما فيه من مخلوقات. وقد أكد الله سبحانه هذا في القرآن الكريم, فقال تعالى:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبرِّ وَالْبَحرِ وَرَزَقْنَاهمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء:70) . وجاء قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً" (لقمان: من الآية20) ."وهذا كلّه يثبت أنّ الإنسان نوعٌ متفرّدٌ ومتميّزٌ عن سائر الحيوانات, فإنّها, وإن شابهته في عناصر تكوينها الطيني, تخالفه ويخالفها في التكوين المعنوي, إذ لم يكرّمها الله بما كرّمه به من الروح والعقل". وهذه العقيدة تغرس في نفسه العزّة, فلا يتعامل مع باقي مخلوقات الله من منطلق التابع, بل من منطلق السيّد العزيز, الّذي كرّمه الله سبحانه, وشرّفه, ونفخ فيه من روحه .
3 ـ ورد وصف الله سبحانه"بالعزيز"في تسعين آيةٍ في القرآن:
وما ذلك إلاّ ليعرف المسلم أنّ الله هو الغالب, وهو القويّ الّذي لا يعجزه شيءٌ"فكأنّه أراد بذلك, وهو أعلم بمراده أن يملأ أسماع المؤمنين بحديث العزّة والقوّة, فإذا ما سيطر عليهم اليقين بعزّة ربّهم, استشعروا القوّة في أنفسهم, واعتزّوا بمن له الكبرياء وحده في السماوات والأرض, وتأبّوا على الهوان حين يأتيهم من أيّ مخلوقٍ".
4 ـ أثر فريضة الجهاد في النفوس:
فقد فرض الله سبحانه وتعالى الجهاد على المسلمين ليحفظوا به عزّتهم, ولم يكن الجهاد, في يومٍ من الأيّام , وسيلةً للسيطرة والعدوان على الأخرين, بل هو"ثورةٌ دائمةٌ, لا نمكّن بها عدوًّا من التحكّم في رقابنا". وهو الوسيلة الّتي أمرنا الله أن نتّخذها من أجل إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد .
وقد حذّرنا الله سبحانه من التقاعس عن الجهاد, فقال تعالى:"إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التوبة:39) .
وأمرنا سبحانه أن نجاهد مهما كانت الظروف والأحوال فقال:"انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (التوبة:41) . لذلك فقد كان المسلمون الأولون يسارعون في الجهاد, وفي تلبية داعيه لأنهم عرفوا أنّهم بالجهاد يحافظون على عزّتهم, وينشرون دين الله الّذي يحفظ العزّة لجميع البشر .
5 ـ حرر الإسلام المسلم من الخوف بكافّة أشكاله: