بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
كان أرسطو يحصر الشعر في المحاكاة التي تعرض أفعال البشر، خيرها وشرها ترتيبًا يبرز أهميتها وضرورتها، ويبرز توالد بعضها من بعض. وكان يعتبر"هوميروس"اليوناني شاعرًا عظيمًا، ولم يُقمْ وزنًا للشعر الغنائي ولا لشعرائه.
لقد أثّرت نظريات أرسطو في أوروبا كثيرًا وكذلك الفكر اليوناني الوثني، وبرز هذا التأثير في الأدب الكلاسيكي الأوروبي، ثمّ امتدّ بعد ذلك في ميادين كثيرة.
إلا أن نظريّة المحاكاة التي اعتمدها أرسطو كقاعدة للشعر لا تنهض كنظرية مقبولة في التصور الإيماني، ولا في اللغة العربية وأدبها. وفكر أرسطو وآراؤه كانت وليدة تجربة وثنية في مجتمع وثني، حملت معها روح الوثنية.
والملحمة عند أرسطو محاكاة بالقصة الشعريّة، تروي الأحداث رواية يقرؤها القارئ، ولا يشاهدها النظارة كما يشاهدونها في المأساة.
1ـ لمحة عن نشوء"الأسطورة"عند اليونانيين:
اتخذ أرسطو"هوميروس"نموذجًا للأسطورة، وعلى أساس ذلك وضع قواعدها وأسماها"EPIKOS"وأصبحت في الإنكليزية"EPIC"، وتعريفها في المعاجم: هي قصيدة تحتفل بشعر منظوم أعمال الأبطال والآلهة وأنصاف الآلهة. وقد نشأت الأساطير"EPICS"من تصوّرات مبكّرة لأُناس وهميين وتجاربهم مع الطبيعة. وكانت تبتدئ هذه الأساطير من الشعب نفسه ثم تنتقل من جيل إلى جيل، وتنمو مع انتقالها بخرافات عن الآلهة ودورها في أحداث تاريخية في حياة الشعب. ثمّ يأتي شاعر أو أكثر يجمع هذه الأساطير ويضع لها الصياغة النهائية التي تعرض الأحداث التاريخية بصورة خرافية، وقد لا تعرضها. هكذا بدأت الأوديسا وهكذا نمت وهي تجمع من خلال ذلك الفكر اليوناني الوثني عن الآلهة والطبيعة والإنسان.
والأساطير الهندية خرجت بنفس الأسلوب الوثني، مثل أسطورة"ماهابهاراتا"والأسطورة البابلية:"أسطورة الخلق"، وأسطورة الرومان وضعها شاعرهم فيرجيل:"أسطورة الاينيادا". وحذا حذو هذه الأساطير الوثنية ميلتون الإنجليزي في"الفردوس المفقود"، ثم أخذ الغرب الأوربي يتنازل عن خصائص هذه الأساطير ويقدّم بدلًا منها قصائد اجتماعية مثل قصيدة الشاعر الإنجليزي"بوب":"Rape of The Lock".
2ـ خطأ في الترجمة يجب أن نتحرّر منه ومن التبعيّة للوثنيّة اليونانيّة:
لقد تُرجمت كلمة"epikos"، و"epic"خطأً إلى"الملحمة". والترجمة الأقرب للصحة هي"الأسطورة"، فكلمة الملحمة في اللغة العربية وفي المعاجم وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحمل معاني أجلّ وأرقى من معاني الأسطورة.
من هنا أصبح واجبنا، مع انطلاقة الأدب الملتزم بالإسلام، أن نقدّم تصوّرًا جديدًا للملحمة في أدبنا ينبع من الكتاب والسنّة واللغة العربيّة وتاريخ الإسلام، بعيدًا عن الخرافات والأساطير، وبعيدًا عن التبعيّة العمياء للأساطير الوثنيّة.
ومعاني كلمة الملحمة في اللغة العربيّة كما هي في المعاجم: الوقعة العظيمة في الفتنة، الحرب ذات القتل الشديد، ومنها لحم القوم، وألحمت القوم، ونبيّ الملحمة. وفي كل هذه المعاني ابتعاد عن الخرافات والأساطير.
وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:".... فعندئذ تغدر الروم وتجمع للملحمة...."، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ) ثم ضرب بيده على فخذ محدّثه أو منكبه وقال: ( إنّ هذا لحقّ كما أنك هاهنا ) .
وأحاديث أخرى جمعها أبو داود في سننه في كتاب أسماه"الملاحم".
فمن هنا نرى أن كلمة الملحمة تمثّل قتالًا حقيقيًا لا خرافة فيه ولا وهم، وترتبط بأرض القتال، وبالنبوة، وبتأليف الأمة وإصلاحها، وهي مرتبطة بالتوحيد ورسالته، وبمعارك الإسلام الحقيقية.
3ـ التصور الذي نطرحه للملحمة في الأدب الإسلامي لمفارقة التصوّر الوثني:
أ ـ الطول: لا حاجة لأن تلتزم الملحمة آلاف الأبيات الشعريّة أو عشرات الآلاف، فهذا متعب للقارئ وللشاعر دون أي فائدة توازي ذلك التعب والملل، يكفي أن يتّفق على الحد الأدنى لأبيات الملحمة، ويترك الطول دون فرض وإلزام.
ب ـ الموضوع: ينحصر في قضايا الأمة المسلمة وتاريخها ورسالتها وواقعها، خالية من الخرافات والأساطير. ففي الواقع أحداث أهم من الأساطير وأجدى وأكثر متعة وفائدة.
ج ـ الزمن: الفترة الزمنية للملحمة يجب أن تكون فترة تترابط فيها الأحداث.
د ـ الأجزاء: المقدّمة أو الافتتاح، الموضوع أو القضية، ثم الخاتمة.
هـ ـ الهدف: لا بد من هدف واضح حتى لا يضيع هذا الجهد الكبير في متعة تائهة. فالهدف يمكن أن يكون مشاركة الأمة في أفراحها وأحزانها، أو إبرازًا لرسالة الأمة ونشرًا لها، أو دعمًا لجهادها وقوتها، الهدف يجب أن يكون إيمانيًا.
4 ـ شروط الملحمة في الأدب الملتزم بالإسلام: