يتناول الدرس الأدب الواجب على أهل الإسلام عند الاختلاف، وبيان الأصول التي لا يتطرق إليها الخلل، ويجب الرجوع إليها عند كل خلاف، وأنواع الخلاف، وأسباب الخلاف التي يعذر أو لا يعذر فيها المخالف مع قواعد أخرى هامة .
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون ... والصلاة، والسلام على النبي الكريم؛ الذي كان يستفتح صلاته بقوله: [ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ] رواه مسلم ،و الترمذي،و أبو داود،و النسائي،و ابن ماجه،وأحمد .وعلى آله، وأصحابه، ومن سار على هداهم: من أهل الحق، والدين إلى يوم البعث والنشور، وبعد،،
فهذه قواعد جمعتها في الأدب الواجب على أهل الإسلام عند الاختلاف؛ عملًا بقوله سبحانه وتعالى: [ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ 10 ] ] سورة الشورى .وقوله سبحانه: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ 59 ] ] سورة النساء . وقوله تعالى: [ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [ 103 ] ] سورة آل عمران .
أسأل الله أن ينفع بها عباده المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد جعلناها مختصرة، موجزة ؛ ليسهل جمعها، ولا يعسر على طالب العلم التوسع فيها، وفهمها، والحمد لله رب العالمين .
1] ما لا يتطرق إليه الخلل ثلاثة: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، وما سوى ذلك ليس بمعصوم:
الأصول التي يتطرق إليها الخلل، والتي يجب الرجوع إليها عند كل خلاف هي كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة، الصحيحة، ثم ما علم يقينًا أن أمة الإسلام جميعها اجتمعت عليه، وما سوى هذه الأصول الثلاثة، فليس بمعصوم من الخطأ .
ويترتب على القاعدة السابقة ما يلي:
أ] لا يجوز لأحد أن يخرج عن المقطوع دلالته: من كتاب الله، وسنة رسوله، وما علم يقينًا أن الأمة قد أجمعت عليه.
ب] ظني الدلالة من الكتاب والسنة يرد إلى المقطوع، والمتشابه يرد إلِى المحكم لقوله تعالى: [ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [ 7 ] ] سورة آل عمران .
ج] ما تنازع فيه المسلمون يجب أن يردوا الخلاف فيه إلى: كلام الله، وكلام رسوله؛ عملًا بقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ 59 ] ] سورة النساء .
2] رد المعلوم من الدين ضرورةً كفرُ:
لا يجوز الخلاف في حكم من الأحكام المقطوع بها في الإسلام ، والمقطوع به:
هو المجمع عليه إجماعًا لا شبهة فيه، والمعلوم من الدين بالضرورة: كالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن القرآن الذي كتبه الصحابة، ويقرؤه المسلمون جميعًا إلى يومنا هذا: هو كتاب الله لم ينقص منه شيء، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، و وجوب الزكاة والحج، وحرمة الربا، والزنا، والخمر، والفواحش ... ونحو ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة أنه من الإسلام. وكل ذلك لا يجوز فيه خلاف بين الأمة، ورد هذا، ومثله كفر .
3] الخلاف جائز في الأمور الاجتهادية:
الأحكام الاجتهادية، الخلافية التي وقع التنازع فيها بين الأمة في عصور الصحابة، ومن بعدهم إلى يومنا هذا: يجوز فيها الاختلاف، ولا يجوز الحكم على من اتبع قولًا منها بكفر، ولا فسق، ولا بدعة.