فهرس الكتاب

الصفحة 20824 من 27345

ولمن بلغ درجة النظر، والاجتهاد: أن يختار منها ما يراه الحق، ولمن عرف الأدلة، وأصول الفقه أن يرجح بين الأقوال، ولا بأس بالتصويب والتخطئة، وبالقول: إن هذا راجح، وهذا مرجوح؛ وذلك كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، وقراءة الفاتحة وراء الإمام في الجهرية، والجهر والإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم، وإتمام الصلاة في السفر .

4] وقوع الاختلاف وكونه رحمة وسعة أحيانًا:

الخلاف في الأمور الاجتهادية، الظنية؛ واقع من الصحابة، والتابعين، والأئمة، وجميع علماء، وفضلاء هذه الأمة؛ وذلك أنه من لوازم غير المعصوم، ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأما من بعده، فلا عصمة لأحد منهم، والخطأ واقع منهم لا محالة.

وهذا الخلاف الجائز، أو السائغ: قد نص كثير من سلف الأمة أن فيه أنواعًا من الرحمة لهذه الأمة:

أ] الرحمة في عدم المؤاخذة: [ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [ 286 ] ] سورة البقرة . وقد ثبت أن الله قال _ بعد أن أنزل هذه الآية، وتلاها الصحابة _: [ قَدْ فَعَلْتُ ] رواه مسلم ،و الترمذي،و أحمد. والمجتهد المخطئ: معذور، بل مأجور أجرًا واحدًا ، كما جاء في الصحيحين: [ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ ] رواه البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود، و النسائي،و ابن ماجه، وأحمد .

ب] الرحمة، والسعة في جواز أخذ القول الاجتهادي؛ كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة المجتهدين: قال ابن قدامة رحمه الله في مقدمة كتابه'المغني': [ أما بعد ... فإن الله برحمته، وطوله؛ جعل سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام. اتفاقهم: حجة قاطعة، واختلافهم: رحمة واسعة ] .

وقال الإمام، الحجة، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: [ لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمل عمله ] جامع بيان العلم وفضله 4/ 80 .

وذكر ابن عبد البر في كتابه: 'جامع بيان العلم وفضله': [ أن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد اجتمعا، فجعلا يتذاكران الحديث، فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفًا فيه القاسم، وجعل ذلك يشقُّ على القاسم، حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم] جامع بيان العلم وفضله 2/ 80 .

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [أن رجلًا صنف كتابًا في الاختلاف فقال أحمد: لا تُسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة] . الفتاوى 30/ 79

5] يجب اتباع ما ترجح لدينا أنه الحق:

ما تنازع فيه الصحابة، وأئمة الإسلام بعدهم، وعلم بعد ذلك أن النص بخلافه، فإنه يجب علينا فيه اتباع ما تبين أنه موافق للدليل، وعدم اتهام السابقين بكفر، أو فسق، أو بدعة . وذلك: كترك الجنب الذي لا يجد ماء للصلاة حتى يجد الماء، وصرف الدينار بالدينارين، ونكاح المتعة، ومنع التمتع في الحج، وجواز القدر غير المسكر من خمر العنب... ومثل هذه المسائل كثير .

6] أسباب الخلاف التي يعذر فيها:

أسباب الخلاف التي يعذر فيها المخالفون كثيرة:

كمعرفة بعضهم بالدليل، وجهل بعضهم له ، والاختلاف حول صحة الدليل، وضعفه، وكونه نصًا على المسألة، أو ظاهرًا، أو مؤولًا، وتفاوت فهمهم للنص، وتقديم بعضهم دلالة من دلالات النص على أخرى،كمن يقدم الفحوى على الظاهر، وكمن يقدم الظاهر على الفحوى،كما اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم: [ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ:بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ ] رواه البخاري، و مسلم . ومثل هذه الأسباب يعذر أصحابها إذا اجتهد كل منهم لمعرفة الحق.

7] أسباب الخلاف التي لا يعذر فيها المخالف:

وأما الأسباب الأخرى التي لا يعذر فيها المخالف، فهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت