فهرس الكتاب

الصفحة 6412 من 27345

الحج والوحدة المنشودة مالك إبراهيم بابكر*

قال تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) .

تعيش الأمة الإسلامية نفحات أيام تلك الفريضة الربانية (الحج) التي فرضها الله لعباده في أشهر معلومات، وزمن معلوم، ومكان محدود هو (عرفات) والمناسك الأخرى.. تلك المناسك المباركة والبقعة الطاهرة التي تهوي إليها النفوس، وتتهافت إليها القلوب، وتسير إليها الركبان فرادى وجماعات يأتون من كل فج عميق؛ استجابة لنداء الملك العلام (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) ؛، ليتنعموا بلحظات التجلي العظيم لله على عباده، ويعيشوا أيامًا مباركات؛ قيامًا وسجودًا، تهليلًا وتكبيرًا، ذكرًا وتلبيةً: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ؛ رافعين بذلك شعار العبودية الخالصة لله تعالى، مجسدين معاني الوحدة والأخوة الإيمانية بينهم، التي لم تكن تكاد توجد في أي تجمع من تجمعات الكتل البشرية في هذه الأرض.. لا رفث يسمع منهم، ولا فسوق عندهم، ولا جدال يقع بينهم؛ الكل هناك سواسي كأسنان المشط؛ لا رئيس ولا مرؤوس، ولا مالك ولا مملوكم، لا غني ولا فقير؛ كلهم عباد الله إخوانًا، تجمعهم لغة التوحيد، يعملون عمل رجل واحد، في وقت واحد، وكأنك عندما تتحسس مشاعرهم وتقرأ في وجوههم معاني الإيمان الحقيقي تقسم أنهم في دنيا أخرى غير دنيانا الفانية.

أجل؛ إنه الحج ونفحاته الإيمانية التي تنقل الإنسان من الإنسانية التي لا معنى لها إلى معنى الربانية الحقة بكل جوارحه وقلبه وكيانه، والذي يدهشك أكثر - عندما تراهم وتنقلك أفعالهم إلى عالم عباد الله الذين أسلموا وجوههم لله حقًا - هو ذلك الخضوع التام، والاستسلام الكامل في فعل كافة شعائر الحج ومناسككه، الكل منهم - والله حسيبهم - يؤديها بيقين وإيمان، ويسعى لها طائعًا مطمئنًا؛ ليس إلا لأنها منسك من مناسك الحج الذي أمر به الله، وهداهم إليه نبي الأمة عليه الصلاة والسلام قائلًا: (خذوا عني مناسككم) .. وهنا يشدني ويحضرني ذلك الاستسلام التام من فاروق هذه الأمة (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه؛ حيث قال عن الحجر الأسود: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) .

إن فريضة الحج، وتلك الدروس والعبر المستوحاة منها تنبئك بحكمة عظيمة - والله أعلم - تظهر لعباد الله من فرض هذه الفريضة في زمن معلوم، ووقت محدود، ومكان واحد؛ ليكون أكبر تجمع يمثل الوحدة الإسلامية؛ على مختلف شعوبها، واختلاف لغاتهم، وليكون المؤتمر السنوي للأمة الإسلامية؛ تلتقي فيه الأفئدة والقلوب، وتذوب فيه كافة أشكال النعرات العنصرية بين آحاد الأمة الإسلامية، ويتساوى فيه الناس جميعًا؛ فيذكرهم بيوم الحشر والنشر بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ فيجددّون فيه العهد مع الله؛ تراهم هناك كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

فالوحدة بين أفراد الأمة نرى معناها في الحج جليًّا كوضوح الشمس؛ وحدة في المشاعر، ووحدة في الشعائر، ووحدة في الهدف، ووحدة في القول والعمل؛ لا إقليمية، ولا عنصرية، ولا عصبية للون، أو جنس، أو طبقة بعينها؛ كما هو مرفوض في الإسلام: (إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد؛ فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى) .

تلك هي المعاني والقيم، والدروس والحكم المستقاة من تلك الفريضة؛ فالحج هو التجمع العالمي الوحيد؛ الذي يجسد معنى الوحدة والمساواة بين الناس؛ تجمع لا مثيل له.. ويمثلها واقعًا يعيشونه بينهم؛ لا نظير له في كافة التجمعات البشرية والمؤتمرات العالمية بمختلف أشكالها وأنواعها وأهدافها.

كيف لا يكون ذلك وهو التجمع الوحيد الذي هدفه الأول عبادة الله حقًا، وأداء المناسك والشعائر التي تعبر عن تقوى المؤمن لله تعالى، وشهود المنفعة الدنيوية للأمة.

وفيه يوم عرفة.. ذلك اليوم المشهود؛ الذي تلتقي فيه نفحات السماء بالأرض، وتتساوى فيه الرؤوس، وتنبذ فيه كل أنواع الشرك والكبرياء؛ فلا تقديس ولا تعظيم ولا تبجيل إلا لله الواحد الأحد سبحانه وتعالى.. إنه اليوم الذي أكمل الله فيه لهذه الأمة أمرها؛ ورضي لها الإسلام دينًا؛ فلا تبديل، ولا تحريف لكلمات الله؛ قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت