إنه يوم أبان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة مناسكها، وحرم فيه الدماء والأموال إلا بالحق، وبين فيه مضامين صون الحقوق والأعراض، وأعلن فيه المساواة بين البشرية (كلكم لآدم وآدم من تراب) ، وأقر فيه حقوق الإنسان وكرامته قبل أن يعرفها الغرب المفتري وأعوانه الذين يجهلون التاريخ عنوة وتكبرًا، ويكيدون العداء للإسلام حسدًا وتحسرًا.
ولكن تأتي فريضة الحج والآيات المنزلة فيه لتقطع عليهم الطريق؛ فلا ينالون من هذا الدين الإسلامي طالما أن الأمة تتمسك بمنهجه القويم؛ وتقيم شعائره بإخلاص وإيمان؛ فيعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم مدوية بحق عبر الوحي القرآني (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) .. يقول أحد النصارى عن مدى جدوى التنصير في البلاد الإسلامية: (سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التنصير النصرانية ما دام للإسلام هذه الدعائم: القرءان، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي) .
نعم.. إنها شهادة الأعداء بعد أن يئسوا من ذلك الدين، وسيظل الإسلام هكذا؛ صخرة عاتية؛ تتحطم عليها كل سفن الكفر والإلحاد، وما تحمله من مؤامرات ودسائس لهذا الدين الحنيف؛ رغم أنف الأعداء؛ بفضل منهجه القويم، وشرائعه الربانية التي أكملها الله لعباده يوم الحج الأكبر؛ يوم عرفة؛ الذي يجب على الأمة الإسلامية أن تتذكر فيه تلك النعم، والعناية الربانية لها؛ بأن أنعم الله عليها بالإسلام، وارتضاه لها ربنا، وحفظه من التبديل والتحريف؛ فيعملوا جاهدين على توحيد الأمة الإسلامية، وجعله واقعًا معاشًا بينهم في كافة نواحي الحياة.
فوحدة الأمة منهج رباني، وهدي نبوي؛ جاء به الإسلام، وأرساه قيمًا، وسلوكًا، وعملًا، وعبادة في كافة نواحي الحياة؛ فما من عبادة، أو خلق إسلامي، أو أمر دنيوي إلا وتجد فيه الدعوة إلى الوحدة، والتوحيد، وتجسيد روح الترابط، والمساواة بين الأمة.
فهلاّ استقرأنا تلك المعاني والحكم من هذه الفريضة (الحج) ، واستوعبنا تلك المواعظ والعبر، واستجبنا لنداء الملك العلام القائل: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) .