بقلم د. عبدالوهاب المسيري
"...وأصبح الإطار الكلي والنهائي لمفهوم التقدم ليس الإنسان كإنسان، وإنما مقاييس ليست بالضرورة إنسانية مثل الإنتاجية ومعدلات الاستهلاك؛ ولهذا ظهرت مؤشرات على التقدم ومقاييسه ذات طابع مادي كمي لا تكترث بإنسانية الإنسان ..."
إن"التقدم" (بالإنكليزية: بروجرس progress) من"تقدَّم"بمعنى"سار أو انتقل إلى الإمام"، ويشير لفظ"التقدم"إلى أي حركة تتجه وجهة مرغوبًا فيها ، وإلى التحول المتدرج من حال إلى ما هو خير منها ، وعادة ما يرتبط التقدم (في الخطاب السياسي والفلسفي الشائع) بقيم مثل الانفتاح والتطور في الآراء السياسية والاجتماعية والاستنارة وغيرها ، والتقدم هو الإجابة التي تقدمها المنظومة المعرفية (التحديثية الترشيدية) على السؤال المعرفي النهائي الخاص بالهدف من وجود الإنسان في الكون .
ومعظم الحضارات تحتوي على مفهوم للتقدم والتخلف والرقي والانحطاط ، ولكن التقدم والرقي مرتبطان بمطلقات كل المجتمع ومقدساته ، ولم تكن هناك نظرية عامة للتقدم تضم كل البشر ، وتفترض وحدة التاريخ الإنساني وحركته الدائمة نحو مستقبل أحسن .
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن فكرة التقدم كامنة في العقيدة المسيحية (وفي الديانات التوحيدية ككل) ، فالفكر اليوناني القديم - شأنه شأن كثير من الوثنيات القديمة - كان لا يؤمن بإله مفارق للطبيعة ، منزَّه عنها ؛ ولذا كان يرى التاريخ باعتباره حلقات متكررة لا معنى لها ، ولذا فإن الفكر الوثني فكر عدمي تشاؤمي (وهذا ما أكده"نيتشه"، الذي كان يؤمن بالعود الأبدي ، ويطالب بالعودة إلى فلسفة ما قبل سقراط) .
أما في الديانات التوحيدية ، فهناك إله مفارق للطبيعة والتاريخ ، يمنحهما هدفًا نهائيًا ، يتحقق تدريجيًا في داخل الزمان ، من خلال عون الإله وجهد الإنسان ، إلى أن نصل إلى لحظة الخلاص النهائية ، وقد عبَّر هذا عن نفسه في العقيدة اليهودية في اللحظة"المشيحانية"، حينما يعود الشعب إلى أرضه المقدسة تحت قيادة"الماشيَّح"المختار ، وحينما جاء المسيح ، وأعلن أن شريعته تَجبُّ الشريعة اليهودية ، وأن نطاق الخلاص قد اتسع ليشمل كل البشر ، وقسّم التاريخ إلى ما قبل الميلاد وبعد الميلاد ، باعتبار أن ميلاد المسيح هو اللحظة التي تجسَّد فيها الإله - تعالى الله عن ذلك عُلوًا كبيرًا - في التاريخ ، واكتسب التاريخ معنى من خلاله ، وعلى الرغم من هذا الإيمان العميق بإمكانية الخلاص ، فإن المسيحية كانت تؤمن بأن عقل الإنسان محدود ، وأنه كائن ساقط خاطئ ؛ ولذا فإن هناك رؤيتين للتاريخ: واحدة متفائلة تؤكد إمكانية الخلاص التدريجي ، والثانية متشائمة تؤكد فكرة السقوط ومحدودية الإنسان .
وقد تمت علمنة الفكرة التاريخية المسيحية المتفائلة في عصر النهضة ، وهيمنت المرجعية الواحدية المادية على رؤية الإنسان الغربي للكون ، فأصبح للتاريخ هدف ، يتحقق في الزمان من التأكيد على لا محدودية العقل الإنساني ، وعدم حاجته لوحي إلهي ، وعلى أن التقدم حتمي ، فهو كامن في القوانين الطبيعية ذاتها ، التي تدفع بالتاريخ الإنساني ، وظهرت فكرة التاريخ الإنساني العالمي ، فقانون الطبيعة قانون عام واحد ، يدفع بالتاريخ الإنساني كله حسب متتالية محددة ، وبدأت فكرة التقدم تتبلور على يد فلاسفة مثل فيكو وفولتير وتورجو وهردر وكانط ، وظهرت فكرة المراحل في فكر"أوجست كونت"ثم هيغل وماركس ، وأصبحت فكرة التقدم فكرة أساسية في فكر الاستنارة ، ثم وصلت إلى قمة ازدهارها وشيوعها في أواخر القرن التاسع عشر (عصر الإمبريالية والداروينية) .
وقد تغلغلت الفكرة في جميع المجالات ، فظهرت نظرية التطور ، التي حظيت بالقَبول العام لدى المتخصصين في العلوم الاجتماعية المختلفة ، ومن ثم ظهر العديد من النظريات الاجتماعية والسياسية ، التي تفترض مفهوم التقدم دون أي تساؤل ، وكأنه معطًى بدهي لا يقبل النقاش ، وظهرت النظرية العِرْقية والإمبريالية ، التي تستند اعتذارياتها إلى فكرة تقدم الإنسان الغربي ، وتفوقه على بقية شعوب الأرض.
ومفهوم التقدم - في المنظومة الغربية - يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (في عقل الإنسان والطبيعة) ، ويستند إلى عدة منطلقات ، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
1-عقل الإنسان غير محدود ؛ فهو مكثف بذاته ، لا يحتاج إلى أي عون خارجي ، وهو قادر على معرفة الطبيعة ، والسيطرة عليها ؛ إذ إن العقل يكتسب - من خلال التطور - مزيدًا من المنطق والرشد والتفكير.
2-المعرفة الإنسانية ستظل تتراكم بشكل مطَّرد وبلا نهاية (أو سنصل إلى نقطة النهاية حين يتم السيطرة النهائية على الطبيعة) .
3-يستند مفهوم التقدم - شأنه شأن كل المفاهيم الفلسفية والمعرفية الغربية الحديثة - إلى المطلق العلماني: الطبيعة المادة .